في أي نظام اقتصادي محترم، القوانين تُوضع لحماية السوق، جذب الاستثمار، وتنظيم حركة الأموال. لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن قوة أي نظام لا تُقاس فقط بجودة تشريعاته، بل بكفاءة من يطبّقها على أرض الواقع. وهنا تكمن المشكلة.
ما حدث مؤخرًا مع أحد العملاء يوضح هذا الخلل بشكل صريح.
عميل أجنبي من أصل مصري قام بإدخال أموال بالدولار إلى أحد البنوك الوطنية، في خطوة إيجابية تدعم الاقتصاد وتزيد من تدفقات العملة الصعبة.
الهدف كان واضحًا ومشروعًا: شراء عقار داخل مصر من مواطن مصري آخر، بعقد رسمي ينص على السداد بالدولار.
حتى هذه النقطة، كل شيء يسير بشكل طبيعي ومتوافق مع المنطق الاقتصادي.
لكن المفاجأة جاءت عند التنفيذ.
رفض البنك إتمام التحويل الداخلي بالدولار من حساب المشتري إلى حساب البائع داخل نفس المنظومة المصرفية، وطلب من العميل أن يقوم بتحويل الأموال إلى خارج مصر، ثم إعادة تحويلها مرة أخرى من الخارج إلى البائع.
السؤال هنا ليس قانونيًا فقط… بل منطقي أيضًا:
ما الذي تغيّر؟
الأموال موجودة بالفعل داخل الجهاز المصرفي.
الصفقة موثقة.
الأطراف واضحة.
والعملة التي دخلت من الخارج يتم تداولها داخل نفس النظام.
فما الداعي لإخراجها ثم إعادتها؟
هذا النوع من القرارات لا يمكن تفسيره إلا بخلل في الفهم المصرفي أو خوف مبالغ فيه من المسؤولية، أو في أسوأ الأحوال، غياب القدرة على التمييز بين ما هو مسموح قانونًا وما هو إجراء داخلي تم تضخيمه دون مبرر.
المشكلة هنا أعمق من موقف فردي.
هي رسالة سلبية تُرسل لكل مستثمر أو مصري بالخارج يفكر في إدخال أمواله إلى بلده. الرسالة ببساطة تقول: “قد تواجه تعقيدات غير مبررة… حتى لو التزمت بكل القوانين”.
وهذا أخطر من أي قيود رسمية.
لأن المستثمر لا يخشى القوانين الواضحة، بل يخشى الاجتهادات غير المدروسة في تطبيقها.
إذا أردنا أن نكون منصفين، فالدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة قامت بخطوات كبيرة في إصلاح السياسات النقدية وجذب العملة الأجنبية. لكن هذه الجهود قد تُهدر بالكامل بسبب ممارسات فردية على مستوى التنفيذ.
الحل ليس في تعديل القوانين بقدر ما هو في:
– رفع كفاءة وتأهيل العاملين في القطاع المصرفي،
– توحيد تفسير التعليمات داخل البنوك،
– منح مساحة من الفهم المرن المبني على أسس، لا على الخوف،
– وربط القرار المصرفي بهدفه الأساسي: دعم الاقتصاد، لا تعطيله.
رسالة إلى القائمين على النظام المصرفي في مصر
من باب المسؤولية، وليس النقد فقط، أرى أن ما يحدث يستدعي وقفة حقيقية.
المصرفي ليس مجرد موظف ينفّذ تعليمات أو يبيع منتجات مصرفية مثل الشهادات أو القروض بضمانها، بل هو عنصر أساسي في حماية وتطوير الاقتصاد.
الاعتماد المفرط على نماذج سهلة مثل بيع الشهادات والإقراض بضمانها قد يحقق عائدًا سريعًا للبنوك، لكنه على المدى البعيد لا يصنع اقتصادًا قويًا ولا يجذب استثمارات حقيقية. بل قد يخلق بيئة مصرفية مغلقة لا تشجع على حركة الأموال أو تنميتها داخل الدولة.
الأخطر من ذلك، أن مثل هذه الممارسات تدفع المتعاملين، سواء مستثمرين أو أفراد، إلى البحث عن بدائل خارج النظام المصرفي المصري.
وعندما يبدأ البائع والمشتري في إتمام معاملاتهم خارج مصر، فنحن لا نفقد فقط تدفقات نقدية، بل نفقد ثقة… وهي أصعب ما يمكن استعادته.
تطوير القطاع المصرفي لا يكون فقط بالأرقام، بل بالعقول التي تديره.
نحتاج إلى مصرفي يفهم، يوازن، ويتخذ قرارًا مبنيًا على وعي اقتصادي، لا على الخوف أو التفسير الضيق.
لأن في النهاية،
المصرفي الجيد لا يحمي البنك فقط… بل يحمي اقتصاد دولة بالكامل.
د. علي الدكروري
خبير الاستثمار والاقتصاد الدولي















