نجحت البعثة الأثرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار في منطقة شمال سيناء للآثار الإسلامية والقبطية، في الكشف عن بقايا مبنى أثري بمدينة «عسيلة» المندثرة، يُرجح أنه كان أحد خانات الطريق التي خدمت القوافل التجارية وقوافل الحجاج المصريين والمسافرين على الدرب السلطاني، المعروف باسم «درب الحاج المصري».
وكان الدرب السلطاني أحد الطرق التاريخية المهمة التي ربطت مصر بشبه الجزيرة العربية وبلاد الشام، وشهد على مدار قرون حركة واسعة للحجاج والتجار والجيوش والبريد والمسافرين.
ويأتي الكشف في إطار جهود وزارة السياحة والآثار، ممثلة في المجلس الأعلى للآثار، للكشف عن المواقع الأثرية في مختلف أنحاء الجمهورية، وإلقاء الضوء على تاريخ سيناء وحواضرها وطرقها التاريخية.
مبنى أثري مدفون تحت الرمال
وقال شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، إن الكشف يمثل إضافة مهمة إلى الاكتشافات الأثرية التي تسهم في إعادة قراءة تاريخ سيناء، وإلقاء الضوء على الحضارات والمجتمعات التي ازدهرت على أرضها.
وأوضح أن الموقع ظل مطمورًا تحت الرمال لقرون، قبل أن تبدأ أعمال الحفائر خلال العام الماضي في الكشف عن ملامحه المعمارية وإعادة إحياء تاريخه.
وأضاف أن اكتشاف «عسيلة» يسلط الضوء على شبكة الطرق التاريخية التي ربطت مصر بالمشرق العربي، وما ارتبط بها من حركة للحجاج والتجار والجيوش والبريد، مؤكدًا اهتمام الوزارة بأعمال التنقيب والتوثيق والترميم في سيناء.
جدران وحجرات وحوانيت
ومن جانبه، أوضح الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، أن أعمال الحفائر كشفت عن بقايا جدران مشيدة من الطوب اللبن والطوب الأحمر، ومدعمة في أساساتها بأحجار كلسية كبيرة، وهو أسلوب معماري كان شائعًا في تشييد وتدعيم المنشآت الكبرى خلال العصور الإسلامية.
وأشار إلى أن الجدران المكتشفة تمتد في اتجاهات الشمال والشرق والجنوب، وتضم تشكيلات معمارية داخلية تشير إلى وجود عدد من الحجرات، يُرجح أن بعضها استخدم كحوانيت ملحقة بخان الطريق.
وأضاف أن التخطيط العام للموقع يتشابه إلى حد كبير مع تخطيط خان الخوينات، إحدى المحطات التجارية المهمة في شمال سيناء، وإن كان موقع «عسيلة» أصغر مساحة، وهو ما يدعم فرضية استخدامه محطة لاستراحة الحجاج والتجار على الدرب السلطاني.
فخار ومسارج تكشف طبيعة الحياة اليومية
وأوضح الدكتور ضياء زهران، رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية، أن البعثة عثرت على مجموعة من اللقى الأثرية التي تعكس طبيعة الحياة اليومية في الموقع.
وشملت المكتشفات كميات من الفخار كبير الحجم، كان يُستخدم في تخزين المياه والمؤن، إلى جانب أوانٍ ذات طلاء أخضر زيتوني، وأخرى باللونين الأحمر والأبيض، فضلًا عن أجزاء من مسارج كانت تستخدم للإضاءة.
وأشار إلى أن قرب الموقع من محطات تاريخية أخرى، من بينها الخوينات وعمورية وقاطية، يضع «عسيلة» ضمن شبكة من المحطات والمنشآت التي ارتبطت بحركة التجارة والحج والتنقل في سيناء.
دلائل على العصر المملوكي
وأوضح رئيسا البعثة الأثرية محمد خليل وصدام حسين أن المكتشفات الحالية ترجح تأريخ الموقع إلى العصر المملوكي، ومن بينها أوانٍ ذات طلاء أخضر زيتوني مميزة لهذه الفترة.
كما عُثر على كسر من الفخار المزجج تحمل عناصر زخرفية يمكن نسبتها إلى فترة السلطان الناصر محمد بن قلاوون في العصر المملوكي البحري.
وتحمل بعض اللقى حروفًا عربية قد تكون جزءًا من كلمة «الناصر»، إلا أن تحديد دلالتها وتأريخ الموقع بدقة لا يزال يحتاج إلى مزيد من الدراسة والتحليل الأثري.
وتواصل البعثة أعمال الحفائر للكشف عن المزيد من التفاصيل المعمارية للمبنى وملحقاته، إلى جانب استكمال أعمال التوثيق والدراسة والترميم، بما قد يسهم في تأكيد وظيفته كخان طريق.
«درب الحاج المصري».. طريق الحجاج والتجار
وكان الدرب السلطاني، المعروف أيضًا باسم «درب الحاج المصري»، من أبرز الطرق التاريخية التي استخدمها الحجاج المتجهون إلى مكة المكرمة، إلى جانب القوافل التجارية وحركة البريد والتنقل بين مصر وبلاد الشام وشبه الجزيرة العربية.
وتشير الدراسات التاريخية إلى أن الطريق ظل مستخدمًا لقرون، قبل أن تؤدي التطورات السياسية والعسكرية التي شهدتها المنطقة، ومن بينها الخطر الصليبي في الشرق خلال القرن الحادي عشر الميلادي، إلى توقف استخدامه وتحول مسار حركة الحج إلى الطريق الجنوبي عبر عيذاب وجدة.









