يأتي شهر رمضان كل عام حاملاً معه نفحات روحية عميقة، لا تقتصر على العبادات والشعائر الدينية فحسب، بل تمتد لتلامس جوهر الإنسانية وقيمها العليا، فهو شهر يعيد للإنسان توازنه، ويذكره بمعنى الرحمة، والتكافل، وضبط النفس، والشعور بالآخر، في عالم تزداد فيه القسوة وتسود فيه الماديات.
رمضان مدرسة إنسانية متكاملة، يتعلم فيها الإنسان كيف يسمو بروحه فوق شهواته، وكيف يضع آلام غيره نصب عينيه، فالصيام ليس امتناعًا عن الطعام والشراب فقط، بل هو تدريب عملي على الإحساس بالجوع الذي يعانيه الفقراء، وعلى الصبر الذي يحتاجه كل مظلوم، وعلى تهذيب النفس من الأنانية والغضب وسوء الخلق.
وتتجلى إنسانية رمضان بوضوح في مظاهر التكافل الاجتماعي التي تنتشر في المجتمعات؛ من موائد الرحمن، وصدقات السر، وزكاة المال، ومبادرات مساعدة المحتاجين.
في هذا الشهر، تتراجع الفوارق الطبقية، ويجلس الغني والفقير على مائدة واحدة، ويتحول العطاء من واجب ثقيل إلى متعة روحية يشعر معها الإنسان بقيمته الحقيقية.
كما يعزز رمضان قيم التسامح والعفو، فتصبح النفوس أكثر صفاءً، والقلوب أكثر استعدادًا للمصالحة ونبذ الخلافات، إنه وقت مناسب لمراجعة العلاقات الإنسانية، وإصلاح ما أفسدته الأيام، وبناء جسور المحبة بدلًا من جدران الكراهية.
ولا تقف إنسانية رمضان عند حدود المجتمع الواحد، بل تمتد لتشمل التعاطف مع آلام البشر في كل مكان. فالدعاء في هذا الشهر لا يعرف حدود الجغرافيا، والمشاعر الإنسانية تتوحد تجاه المظلومين والجائعين والمنكوبين، ليصبح رمضان تذكيرًا عالميًا بأن الإنسانية واحدة، وأن آلام البشر مشتركة.
في جوهره، رمضان ليس شهر الامتناع، بل شهر الامتلاء بالقيم النبيلة، هو فرصة سنوية لإعادة اكتشاف الإنسان داخلنا، وتجديد العهد مع الرحمة والعدل والمحبة، فإذا خرج الإنسان من رمضان بقلب أكثر نقاءً، وسلوك أكثر إنسانية، فقد أدرك المعنى الحقيقي لهذا الشهر العظيم.















