حين يحصل مصنع على طلبية جديدة، فإنه يحتاج إلى شراء الخامات ودفع الأجور وتجهيز المنتج قبل أن يحصل على ثمنه، وقد يكون المشروع قادرًا على الربح، لكنه يفتقر إلى السيولة التي تسمح له بتنفيذ الطلبية.. هنا تظهر أهمية المساندة الاقتصادية، وتبدأ أيضًا مسؤولية اختيار نوعها وتوقيتها، حتى تساعد نشاطًا قابلًا للنمو على تجاوز عقبة محددة.
أعاد إعلان وزير المالية أحمد كجوك، في 27 سبتمبر، تخصيص 80 مليار جنيه بالموازنة الحالية لمساندة الإنتاج والتصدير وريادة الأعمال، طرح هذا الملف للنقاش. كما أعلن استهداف التعاون مع وزارتي الاستثمار والصناعة لإنشاء صندوقين لدعم أنشطة ومجالات محددة، وهذه الخطوة المقترحة تحتاج، عند تصميمها، إلى إجابة واضحة عن سؤال أساسي: ما الذي ستتمكن الشركات من إنجازه بفضل المساندة، ولم تكن قادرة على إنجازه دونها؟
اختيار المساندة المناسبة
أرى أن الإجابة تبدأ من داخل المشروع نفسه. فالشركة التي تحتاج إلى تمويل دورة إنتاج قصيرة تختلف عن أخرى تسعى لشراء معدات تعيش سنوات، وتختلفان عن شركة تمتلك منتجًا جيدًا لكنها تفتقر إلى شهادة مطابقة تتيح لها دخول سوق خارجية. جمع هذه الحالات في برنامج واحد، بالشروط نفسها، قد يسهّل الإدارة، لكنه لا يضمن توجيه الموارد إلى موضع الاحتياج الفعلي.
ولنتصور مصنعًا صغيرًا تلقى أول طلبية تصدير له. إذا أثبتت الدراسة جدوى الطلبية وقدرة المصنع على تنفيذها، فقد يكون تمويل رأس المال العامل، أو ضمان ائتماني جزئي بضوابط واضحة، أنسب من منحة لشراء ماكينة جديدة.
أما إذا كانت المشكلة في ارتفاع نسبة العيوب، فقد يحتاج المصنع إلى تدريب فني أو تحسين نظام الجودة قبل أن يحتاج إلى تمويل إضافي. التشخيص هنا يحمي المال العام، ويحمي صاحب المشروع من التوسع في المشكلة بدلًا من حلها.
التوقيت وإتاحة الفرصة
ويظل التوقيت جزءًا من القيمة الاقتصادية للمساندة. فالموافقة التي تصل بعد انتهاء مهلة التوريد قد تكون صحيحة إداريًا، لكنها فقدت غرضها التجاري، لذلك أقترح أن تتضمن البرامج آجالًا معلنة للبت في الطلبات وصرف المستحقات، مع بيان المستندات المطلوبة وأسباب الرفض.
ويجب أن تُبنى الرقابة على درجة المخاطر، حتى لا تتحمل الطلبات الصغيرة الإجراءات نفسها المخصصة للمشروعات الأكبر والأكثر تعقيدًا.
ومن المهم كذلك أن تتاح المساندة للشركات التي تستطيع الإنتاج ولا تمتلك إدارات متخصصة لإعداد ملفات طويلة. ويمكن لخدمات فنية مشتركة، مثل اختبارات الجودة والمعايرة والتدريب، أن تفيد عددًا من المصانع الصغيرة بتكلفة أقل من تكرار التجهيزات داخل كل مصنع. كما أن دعم تأهيل مورد محلي قد يرفع قدرته على البيع لعدة شركات، فيمتد الأثر إلى سلسلة إنتاج كاملة.
وفي التصدير، أعتقد أن تقييم النتائج يحتاج إلى النظر فيما وراء قيمة الشحنة. فزيادة المبيعات الخارجية مهمة، لكن الأثر المحلي يختلف بحسب ما أُنتج داخل مصر وما استُورد من مدخلات.
والمطلوب متابعة نمو القيمة المضافة المحلية والإنتاجية، مع مراعاة طبيعة كل صناعة. ولا يعني ذلك فرض مكون محلي بأي تكلفة؛ فالبديل المحلي يجب أن يحقق الجودة والالتزام اللذين يحتاجهما المنتج كي يحافظ على عملائه.
قياس الأثر واستمرار المنافسة
ولكي نعرف إن كانت البرامج تحقق غرضها، أقترح نشر نتائج دورية مجمعة، تحافظ على سرية بيانات الشركات، وتوضح ما تغير بعد المساندة. كم شركة دخلت التصدير ثم استمرت فيه؟ هل انخفضت تكلفة الإنتاج أو نسبة الهدر؟ وهل جذبت المساندة استثمارات خاصة إضافية؟ ويجب مقارنة هذه النتائج بما كان مرجحًا أن يتحقق دون الدعم، حتى لا ننسب إليه توسعات كانت ستحدث على أي حال.
كما ينبغي أن تكون لكل برنامج مدة ومراجعة ومعايير واضحة للاستمرار أو التعديل. فالمال العام مورد محدود، واستمرار مساندة نشاط لا تتحسن كفاءته قد يحرم مشروعًا آخر من فرصة أكثر جدوى. وفي المقابل، يحتاج المستثمر إلى قواعد مستقرة وانتقال تدريجي عند تغيير الحوافز، حتى يستطيع بناء قراراته على حسابات مفهومة.
نجاح دعم الإنتاج يظهر عندما تنفذ الشركة طلبها الأول، ثم تكسب طلبًا ثانيًا بسبب جودة منتجها والتزامها، وتصبح أقدر على تمويل نموها. عندها تكون المساندة قد صنعت قدرة تستمر بعد انتهاء البرنامج. وهذا، في تقديري، هو العائد الذي ينبغي أن نطلبه من كل جنيه نخصصه لدعم الاقتصاد.











