في كل عام، يأتي عيد تحرير سيناء ليعيد التأكيد على واحدة من أهم لحظات التاريخ المصري الحديث، ليس فقط باعتبارها لحظة استعادة أرض، بل كنقطة تحول في مسار دولة قررت أن تبني، لا أن تكتفي بالإنجاز.
تحرير سيناء لم يكن نهاية معركة، بل كان بداية معركة أكبر… معركة التنمية الشاملة، وتحويل الجغرافيا إلى قيمة اقتصادية حقيقية.
من واقع خبرتي في الاستثمار والتنمية، أرى أن الدولة المصرية تعاملت مع سيناء بعقلية استراتيجية واضحة. التحدي لم يكن في استعادة الأرض فقط، بل في كيفية تعميرها ودمجها بالكامل في الدورة الاقتصادية للدولة.
لذلك، كان الاستثمار في البنية التحتية هو الأساس الحقيقي للانطلاق. شبكة الأنفاق، الطرق، ومحاور الربط بين سيناء والدلتا والوادي، لم تكن مجرد مشروعات إنشائية، بل كانت قرارًا سياديًا بكسر العزلة وفتح أبواب التنمية.
أي مستثمر يبحث أولًا عن الجاهزية، وهذا ما عملت عليه الدولة بوضوح. اليوم، سيناء لم تعد منطقة بعيدة، بل أصبحت منطقة قابلة للاستثمار الحقيقي، مدعومة بشبكات كهرباء ومياه وطرق وخدمات متكاملة.
هذه الخطوات كانت رسالة واضحة: سيناء جاهزة، ومن يدخل الآن يدخل في توقيت استراتيجي.
ما يميز سيناء ليس فقط موقعها، بل تنوع الفرص داخلها، وهو ما يجعلها واحدة من أهم المناطق الواعدة في الشرق الأوسط.
في السياحة، من شرم الشيخ إلى دهب وطابا، نحن أمام كنز سياحي عالمي قادر على تحقيق عوائد مستدامة.
وفي الزراعة، هناك توسع واضح يدعم الأمن الغذائي ويقلل الفجوة الاستيرادية.
أما في التعدين، فالثروات المتاحة تفتح الباب أمام صناعات تحويلية حقيقية بدلًا من تصدير المواد الخام.
وبالإضافة إلى ذلك، تمثل الطاقة المتجددة، خاصة الطاقة الشمسية، فرصة كبيرة لمستقبل الاستثمار في المنطقة.
واحدة من أهم الحقائق التي أثبتتها التجربة المصرية، أن الأمن لا يتحقق بدون تنمية، والتنمية لا تستمر بدون استقرار.
سيناء اليوم تقدم نموذجًا واضحًا لما يمكن تسميته بالاستثمار القائم على الأمن، حيث كل مشروع يُقام هناك هو دعم مباشر للاستقرار.
الرؤية الحالية تتجه نحو تحويل سيناء إلى مركز لوجستي وصناعي متكامل، مستفيد من موقعها الجغرافي وربطها بالممرات التجارية الإقليمية والدولية، وهو ما يفتح آفاقًا كبيرة أمام المستثمرين.
لا يمكن لأي خطة تنموية أن تحقق أهدافها بدون مشاركة قوية من القطاع الخاص. الدولة وفرت البنية والتشريعات، ويبقى دور المستثمر في اقتناص الفرص وتحويلها إلى مشروعات ناجحة.
في تقديري، القيمة الحقيقية لتحرير سيناء لم تكن فقط في استعادة السيادة، بل في القدرة على تحويل هذه الأرض إلى مصدر قوة اقتصادية مستدامة. النجاح لا يُقاس بما تم استعادته، بل بما تم بناؤه عليه.
سيناء ليست فقط أرضًا محررة، بل مسؤولية مستمرة. وما يحدث هناك اليوم هو استثمار في مستقبل الأجيال القادمة.
في النهاية، لا تُقاس قوة الدول بما تحرره من أرض فقط، بل بما تبنيه عليها. وسيناء اليوم ليست مجرد صفحة من الماضي، بل عنوان واضح لمستقبل اقتصادي واعد.
الدكتور علي الدكروري
خبير استثمار ورجل أعمال، مؤسس لعدة مشروعات إقليمية، ويتمتع بخبرة ممتدة في الأسواق الدولية وتخطيط الفرص الاقتصادية













