نشرت وزارة الأوقاف منشورا جديدا يتضمن نص خطبة الجمعة -الموافق ١٢ ذو الحجة ١٤٤٧هـ ٢٩-٠٥-٢٠٢٦م – والمقالات التابعة لها عبر منصتها الرقمية بعنوان: «واذكروا الله في أيامٍ معدودات، علماً بأن الهدف المراد توصيله هو: 《بيان أن أيام التشريق مواسمُ عظيمة، شُرعت لإحياء ذكر الله تعالى وتعظيمه وشكره》
والخطبة الثانية بعنوان: «الترابط الأسري»
وجاء نص الخطبة الأولى على النحو التالي:
الحمدُ للهِ الذي جعلَ الذكرَ للقلوبِ نورًا، وصيَّرَ شكرَ النعماءِ للأرواحِ سرورًا، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ شرعَ المناسكَ إعلاءً لذكرِهِ، وأمرَ بالقربانِ تعظيمًا لأمرِهِ، وأشهدُ أنَّ سيدَنَا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، كانَ لسانُهُ بالتكبيرِ معظِّمًا، وقلبُهُ بالتلبيةِ خافقًا، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وأصحابِهِ أولِي الأنوارِ، وبعدُ:
فتأمَّلْ أسرارَ التجلِّي الأسمَى لعبادةِ الذكرِ في الحجِّ: واشهدْ جلالَ المناسكِ بقلبٍ عرفَ قدرَ ربِّهِ وعظَّمَهُ، ونظرَ بوجدانِهِ فضلَ مولاهُ وكرّمَهُ، وتأمَّلْ كيفَ تفيضُ الأنوارُ في هذهِ الأيامِ المعدوداتِ، وتسري الأسرارُ في أوقاتِ التشريقِ والمسراتِ، فشرعَ الحقُّ سبحانهُ الطوافَ بالبيتِ العتيقِ، والسعيَ بينَ الصفَا والمروةِ، وأمرَ برميِ الجمارِ، وإراقةِ دماءِ الأضاحِي، وكلُّ ذلكَ إعلاءٌ لذكرِ ربِّ الأرضِ والسماءِ، وإعلانٌ للعبوديةِ لبارئِ الكونِ والأنحاءِ، فالذكرُ هوَ الغايةُ المثلى في أيامِ مِنًى، والمقصدُ الأسمَى لكلِّ حاجٍّ محبٍّ، فتبصَّرْ هذهِ الساعاتِ ببيانِ اليقينِ، واغرسْ في نفسِكَ الإخباتَ لربِّ العالمينَ، ليرتفعَ الصوتُ بالتهليلِ والتكبيرِ، وتلهجَ الأنفاسُ بالتمجيدِ والتحميدِ، مصداقًا لقولِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «الْحَجُّ الْعَجُّ وَالثَّجُّ».
تنسَّمْ عبيرَ الفضلِ في الأيامِ المعدوداتِ: وتحلَّ بجمالِ الرجاءِ في أيامٍ جعلَهَا اللهُ للغفرانِ ذخرًا، وصيَّرَهَا لعبادِهِ المخلصينَ شرفًا وفخرًا، فهيَ أيامُ التشريقِ ساطعةُ الأنوارِ، الموصولةُ ببهجةِ العيدِ في الأهلِ والديارِ، فرغمَ أنها قليلةُ الساعاتِ في حسابِ الزمانِ، لكنَّهَا عظيمةُ النفحاتِ في ميزانِ الديَّانِ، تمرُّ على العبدِ مرَّ السحابِ، وتفتحُ للمخبتينَ أوسعَ الأبوابِ، وقدْ نهَى الشرعُ فيهَا عنِ إرهاقِ النفسِ بالصيامِ، لتفرغَ قلبَكَ للوفاءِ بالعهدِ، فاصرف الساعاتِ في تعميرِ الأوقاتِ بالثناءِ، وابذلِ الأنفاسَ في فيوضاتِ التضرعِ والدعاءِ، واحرصْ على قضاءِ تلكَ الأوقاتِ بالتهليلِ، والزمْ محرابَ الذكرِ في الغدوِّ والآصالِ، وطوبَى لمنْ عمَّرَ الساعاتِ الزاكياتِ بجميلِ طاعاتِهَا، كما قالَ تعالى: ﴿وَٱذۡكُرُوا۟ ٱللَّهَ فِیۤ أَیَّامࣲ مَّعۡدُودَٰتࣲۚ﴾.
عيشْ صورَ الذكرِ وتنقَّلْ في رياضِ البركاتِ: واقصدْ بابَ مولاكَ بذلِّ الانكسارِ، لتنالَ من جودِهِ عظيمَ الأنوارِ، واعلمْ أنَّ الذكرَ في هذهِ الأيامِ شعائرُ معلومةٌ، أولُهَا ما يفعلُه الحاجُّ عندَ رميِ الجمارِ، وثانيهَا التكبيرُ الشائعُ في المساجدِ والديارِ دبرَ الصلواتِ المكتوباتِ، حيثُ يرتفعُ بالمسراتِ ويمتدُّ إلى عصرِ آخرِ أيامِ التشريقِ الزاكياتِ، وثالثُهَا التسميةُ والتكبيرُ عندَ ذبحِ الأضاحِي، ورابعُهَا الذكرُ المطلقُ في سائرِ البكورِ والعشايَا، فارفعْ رغبتَكَ إلى اللهِ بقلبٍ يرجو شريفَ المقامِ، ولسانٍ يفيضُ بالذكرِ المستدامِ، وأكثرْ من الدعاءِ لتنالَ أوفرَ العطاءِ، حيثُ كانَ أكثر دعاءِ النبيِّ الأوَّابِ صلواتُ ربي وسلامُه عليهِ: ﴿رَبَّنَاۤ ءَاتِنَا فِی ٱلدُّنۡیَا حَسَنَةࣰ وَفِی ٱلۡءَاخِرَةِ حَسَنَةࣰ وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾.
تدبَّرْ سرَّ الختامِ بالذكرِ وعظيمَ أثرِهِ: واستلهمْ حكمةَ التشريعِ في ختامِ الطاعاتِ، واجعلْ أيامَ التشريقِ مسكًا مكمِّلًا لجميلِ القرباتِ، فما جعلَ اللهُ هذهِ الأيامَ المعظَّمةَ إلا ليعمرَ الكونُ بالتحميدِ والحبورِ، ويتصلَ العبدُ بمولاهُ في العشيَّةِ والبكورِ، حيثُ قالَ سبحانهُ: ﴿وَٱلذَّٰكِرِینَ ٱللَّهَ كَثِیرࣰا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغۡفِرَةࣰ وَأَجۡرًا عَظِیمࣰا﴾، وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِلَّهِ»، فأرشدَكَ ربُّكَ إلى عظيمِ الذكرِ المستقيمِ، لتشهدَ فضلَهُ الوافرَ وعطاءَهُ العميمَ، فدائمًا ما يأتي الأمرُ بالذكرِ عندَ الفراغِ من العباداتِ، مكمِّلًا لأعمالِ الحجِّ الطاهراتِ، وموصولًا بفيوضِ الباقياتِ الصالحاتِ، كما قالَ جلَّ شأنُهُ: ﴿فَإِذَا قُضِیَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَٱبۡتَغُوا۟ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَٱذۡكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِیرࣰا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾، فبذكرِ اللهِ يرتاحُ قلبُكَ ونفسُكَ، وبتعظيمِهِ ينجلي كدرُكَ وبؤسُكَ، كما قالَ تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَیۡتُم مَّنَٰسِكَكُمۡ فَٱذۡكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَذِكۡرِكُمۡ ءَابَاۤءَكُمۡ أَوۡ أَشَدَّ ذِكۡرࣰاۗ﴾.
وجاء نص الخطبة الثانية على النحو التالي:
الحمدُ للهِ على إحسانِهِ، والشكرُ لهُ على توفيقِهِ وامتنانِهِ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، وبعدُ:
فيا أخِي في اللهِ
اعلمْ أنَّ التزامَكَ بالترابطِ المجتمعيِّ في مواسمِ الطاعاتِ عبادةٌ جليلةٌ، تتقربُ بها إلى ربِّ البريةِ، وهيَ مظهرٌ حضاريٌّ رفيعٌ، يرفعُ قدرَكَ في الإنسانيةِ؛ فالإسلامُ قدْ جعلَ منْ أيامِ العيدِ السعيدِ وأيامِ التشريقِ المباركةِ فرصةً لتلاحمِ الأنامِ، وتبادلِ التهاني ونشرِ السلامِ، وتبديدِ غيومِ الأنانيةِ والفرقةِ والخصامِ، إذْ يتطلبُ منك الأمرُ في هذهِ الأيامِ العظيمةِ عنايةً فائقةً بسلامةِ الصدرِ ومواساةِ الفقراءِ، وإطعامِ الطعامِ وإدخالِ السرورِ على الضعفاءِ، وتحقيقِ المعنى الحقيقيِّ للأخوةِ والتكافلِ والوفاءِ، فابتعدْ كلَّ البعدِ عنِ الأنانيةِ، ومخالفةِ مقاصدِ الشريعةِ، وبادرْ أيها الكريمُ إلى إحياءِ هذهِ السلوكياتِ الإيمانيةِ، ممتثلًا هديَ نبيِّكَ في هذهِ الأيامِ البهيةِ، لتكونَ مع أبناءِ وطنِك كالبنيانِ المرصوصِ، وتملأَ القلوبَ بالبهجةِ والسرورِ، حيثُ قالَ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ».
أيها المكرمُ: احرصْ على استدامةِ الترابطِ الأسريِّ في هذهِ الأيامِ السعيدةِ، وسواها فذاكَ منبعُ سرورِكَ وأخلاقِكَ الحميدةِ، فاغتنمْ بهجةَ العيدِ وأيامَ التشريقِ بصلةِ الأرحامِ، وزيارةِ الأقاربِ وإكرامِ الأخوالِ والأعمامِ، لتنالَ منَ اللهِ جزيلَ العطاءِ والإسعادِ، وتملأَ القلوبَ بالمسرةِ والودادِ، فإنَّ ذلكَ يضفي عليكَ بركةً في العمرِ والنماءِ، ويزيدُكَ رفعةً وسعةً في العطاءِ، ويجعلُ دارَكَ واحةً للسكينةِ والوئامِ، بعيدةً عنِ الهجرِ والجفاءِ والخصامِ، فقدْ حثتِ الشريعةُ الغراءُ على التراحمِ والصلةِ وتصفيةِ النفوسِ في مواسمِ الطاعاتِ، لتكونَ أسرتُكَ منارةً تضيءُ بالحبِّ والوفاءِ في جميعِ الأوقاتِ، فسارعْ أيها الكريمُ إلى ترسيخِ هذهِ الروابطِ الإيمانيةِ، مستمسكًا بالسنةِ النبويةِ، وممتثلًا قولَ النبيِّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: «خيرُكم خيرُكم لأهلهِ، وأنا خيرُكم لأهلي».













