حين تحل ذكرى السادس من أكتوبر، تستعيد مصر واحدة من أكثر لحظاتها حضورًا في الذاكرة الوطنية. لكن قيمة هذا اليوم لا تتوقف عند مشهد عبور قناة السويس واقتحام خط بارليف، ولا عند تفاصيل المعركة التي أصبحت جزءًا من تاريخ المنطقة، وإنما تمتد إلى ما أحدثه الانتصار من تغيير عميق في علاقة الدولة المصرية بنفسها وبمستقبلها، وفي قدرتها على الانتقال من مرحلة فرضتها الحرب إلى مرحلة جديدة عنوانها استعادة الأرض وإعادة البناء.
كان الاقتصاد المصري قبل أكتوبر يعيش تحت ضغط سنوات الحرب وآثار نكسة 1967. موارد الدولة كانت محدودة، والإنفاق العسكري فرض نفسه على الأولويات، فيما كانت سيناء خارج السيطرة المصرية، وقناة السويس متوقفة عن الملاحة، والمنطقة كلها تعيش على وقع صراع مفتوح لا يبدو أن له نهاية قريبة. ولم تكن هذه الظروف مجرد أرقام في موازنة الدولة، وإنما كانت واقعًا يلمسه المواطن في تفاصيل حياته اليومية.
من هنا يمكن فهم أهمية أكتوبر اقتصاديًا، حتى وإن لم تكن الحرب في الأساس معركة اقتصادية. فالانتصار أعاد للدولة عنصرًا بالغ الأهمية في أي عملية تنمية، وهو الثقة في القدرة على الفعل. الدولة التي عانت من آثار الهزيمة استطاعت خلال سنوات قليلة أن تعيد تنظيم صفوفها، وتبني قواتها، وتخطط لمعركة معقدة، ثم تنفذها في توقيت دقيق. وهذه القدرة على التخطيط والتنفيذ لم تكن مجرد إنجاز عسكري، بل كانت رسالة إلى الداخل والخارج بأن مصر قادرة على تجاوز مرحلة الانكسار وفتح صفحة جديدة.
بعد الحرب، بدأت مصر تتحرك تدريجيًا نحو واقع مختلف. استعادة الأرض لم تكن هدفًا سياسيًا وعسكريًا فقط، وإنما كانت مقدمة لاستعادة موارد وفرص اقتصادية ظلت بعيدة عن الدولة خلال سنوات الاحتلال. سيناء بموقعها الجغرافي وثرواتها الطبيعية وسواحلها الممتدة لم تكن مجرد مساحة على الخريطة، وإنما كانت جزءًا مهمًا من الإمكانات الاقتصادية المصرية.
ومع استكمال استعادة سيناء، بدأت معركة أخرى لا تقل أهمية، وإن كانت طبيعتها مختلفة. معركة إعادة إعمار المدن، ومد الطرق، وتوفير الكهرباء والمياه، وتطوير الموانئ، وإنشاء المجتمعات العمرانية، وجذب النشاط السياحي والاستثماري. وبمرور السنوات، أصبحت مناطق مثل شرم الشيخ ودهب وطابا ونويبع أسماء معروفة على خريطة السياحة، وتحولت أجزاء من سيناء إلى مناطق اقتصادية وسياحية لها حضورها في الاقتصاد المصري.
وتبقى قناة السويس واحدة من أكثر النقاط التي تكشف العلاقة بين أكتوبر والاقتصاد. فالقناة التي كانت مسرحًا للعبور العسكري أصبحت بعد ذلك أحد أهم مصادر الدخل القومي، وممرًا تجاريًا عالميًا يمثل لمصر ميزة جغرافية لا تملكها دول كثيرة. ومع الوقت لم تعد الرؤية الاقتصادية للقناة مقتصرة على رسوم عبور السفن، وإنما امتدت إلى إقامة مناطق صناعية ولوجستية والاستفادة من الموقع في جذب الاستثمارات المرتبطة بالنقل والتجارة والخدمات.
ولعل المفارقة اللافتة أن أحد أهم رموز الحرب تحول مع مرور الزمن إلى أحد أهم رموز الاقتصاد، قناة السويس التي عبرها الجنود المصريون في أكتوبر أصبحت في العقود التالية شريانًا للتجارة العالمية، وأحد الملفات الأساسية في حسابات الاقتصاد المصري.
كما ساهمت عودة الاستقرار إلى سيناء في خلق فرص جديدة أمام السياحة والاستثمار والطاقة والتعدين، وبالطبع لم يكن الطريق اقتصاديًا مستقيمًا أو خاليًا من الأزمات، فقد واجهت مصر خلال العقود التالية تحديات كبيرة، من التضخم وارتفاع تكلفة الاستيراد إلى أزمات العملة والدين والطاقة، إلى جانب التغيرات التي شهدها الاقتصاد العالمي.
لكن الأهم أن مصر بعد أكتوبر لم تعد الدولة نفسها التي كانت قبل الحرب. تغيرت أولوياتها، واتسعت مساحة الحركة أمامها، ودخل الاقتصاد في مراحل متتالية من التحول، من الانفتاح الاقتصادي في السبعينيات، إلى الإصلاحات الاقتصادية في مراحل لاحقة، وصولًا إلى مشروعات البنية الأساسية والطاقة والموانئ والطرق والمدن الجديدة التي أصبحت جزءًا أساسيًا من المشهد الاقتصادي المصري خلال السنوات الأخيرة.
وقد يكون من الخطأ النظر إلى كل هذه التحولات باعتبارها نتيجة مباشرة لحرب أكتوبر، فالتاريخ الاقتصادي أكثر تعقيدًا من ذلك، وتدخل فيه عوامل سياسية ودولية وإقليمية عديدة، لكن من الصعب أيضًا تجاهل أن الانتصار أعاد ترتيب البيئة التي تتحرك فيها الدولة المصرية، وفتح الطريق أمام استعادة سيناء وإعادة تشغيل قناة السويس وتوسيع النشاط السياحي والاستثماري، وهي عوامل كان لها تأثيرها على الاقتصاد خلال العقود التالية.
الأهم من كل ذلك أن أكتوبر قدم نموذجًا مصريًا في القدرة على تجاوز الظروف الصعبة. وهذا النموذج يظل صالحًا للاقتصاد كما كان صالحًا للحرب. فالمعركة الاقتصادية لا تعتمد على الحماس وحده، وإنما على التخطيط والانضباط والصبر والقدرة على تحمل التكلفة من أجل تحقيق نتائج طويلة المدى.
وفي الاقتصاد، كما في الحرب، لا توجد حلول سريعة لكل شيء. بناء صناعة قوية يحتاج إلى سنوات، وزيادة الصادرات تحتاج إلى إنتاج قادر على المنافسة، وجذب الاستثمار يحتاج إلى بيئة مستقرة وتشريعات واضحة وبنية أساسية قوية، وتحسين مستوى معيشة المواطنين يحتاج إلى نمو حقيقي يشعر به الناس في فرص العمل والدخل والخدمات.
ولهذا فإن أفضل احتفال بأكتوبر لا ينبغي أن يكون مجرد استعادة للصور والخطب، وإنما استعادة للمعنى الذي صنع النصر، ذلك المعنى الذي يقول إن الدول لا تستعيد مكانتها بالأمنيات، وإنما بالعمل والتخطيط والقدرة على تحويل الإمكانات إلى نتائج.
اليوم، وبعد أكثر من نصف قرن على العبور، تبدو المسافة بين أكتوبر والاقتصاد أقرب مما قد يعتقد البعض، فالجندي الذي عبر قناة السويس كان يخوض معركة استعادة الأرض، بينما يخوض العامل والمهندس والمزارع ورجل الأعمال والمستثمر اليوم معركة مختلفة لاستعادة قدرة الاقتصاد على الإنتاج والمنافسة والتصدير.
مصر تمتلك موقعًا جغرافيًا استثنائيًا، وسوقًا كبيرة، وقناة السويس، وسواحل واسعة، وموارد طبيعية، وقاعدة بشرية ضخمة، وتجربة تاريخية طويلة. لكن امتلاك هذه المقومات لا يكفي وحده. القيمة الحقيقية تظهر عندما تتحول إلى إنتاج وفرص عمل وصادرات واستثمارات، وعندما يشعر المواطن بأن النمو الاقتصادي ينعكس على حياته بصورة ملموسة.
وربما تكون هذه هي الرسالة الأهم التي يمكن أن تحملها ذكرى أكتوبر في الوقت الحالي. فالنصر العسكري أثبت أن المستحيل ليس قدرًا، وأن التخطيط والإرادة قادران على تغيير الواقع. أما التحدي الاقتصادي فيحتاج إلى الروح نفسها، ولكن بأدوات مختلفة، عنوانها الإنتاج والعلم والعمل والاستثمار وحسن إدارة الموارد.
لقد عبرت مصر في السادس من أكتوبر قناة السويس، واستعادت أرضها بعد سنوات من الاحتلال، ثم بدأت رحلة طويلة من إعادة البناء والتنمية، واليوم، تبقى أمامها مهمة أخرى، هي أن تجعل من إمكاناتها الاقتصادية قوة حقيقية قادرة على تحسين حياة المواطن وتعزيز مكانة الدولة.
وهكذا لا تصبح ذكرى أكتوبر مجرد مناسبة نتذكر فيها انتصارًا وقع قبل أكثر من خمسين عامًا، وإنما درسًا مستمرًا في قدرة المصريين على تحويل اللحظات الصعبة إلى بدايات جديدة. فالأمم لا تقاس فقط بما تنتصر فيه في الحروب، وإنما بما تستطيع أن تبنيه بعد الانتصار.
وفي هذا المعنى، يظل السادس من أكتوبر أكثر من ذكرى عسكرية في التاريخ المصري، إنه تذكير بأن استعادة الأرض كانت بداية الطريق، وأن بناء اقتصاد قوي وحياة أفضل للمواطن هو أحد أهم أشكال الحفاظ على قيمة ذلك الانتصار.
