يطل علينا الأول من مايو من كل عام، حاملاً معه ذكريات نضالية طويلة خاضتها الطبقات العاملة في مختلف بقاع الأرض، ليتحول من مجرد يوم عادي إلى رمز عالمي للصمود والمطالبة بالحقوق.
هذا اليوم الذي يُعرف بـ “يوم العمال العالمي” أو “يوم العمل”، هو في جوهره احتفال سنوي تنظمه وتتبناه حركة عمالية شيوعية لاسلطوية (فوضوية) واشتراكية، حيث نشأت فكرته من رحم الفلسفات النقابية والعمالية التي ناهضت الاستغلال الرأسمالي في القرن التاسع عشر.
ولم يبدأ هذا اليوم كمناسبة احتفالية هادئة، بل وُلد من قلب النزاعات العمالية العنيفة حين كانت السواعد تبني الحضارة الحديثة تحت وطأة ظروف عمل قاسية وساعات لا تنتهي من الكد والشقاء في مصانع أمريكا وكندا وأستراليا.
وتعود الجذور الأولى لهذا الحراك إلى أستراليا في عام 1856، ثم انتقلت الشعلة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وتحديداً مدينة شيكاغو التي كانت مسرحاً لأشرس المعارك النقابية التي قادتها التنظيمات الاشتراكية واللاسلطوية.
في ذلك الوقت، رفع العمال شعاراً إنسانياً بسيطاً لكنه كان ثورياً بمقاييس العصر، وهو شعار “الثمان ساعات”، الذي ينادي بتقسيم اليوم إلى ثماني ساعات للعمل، وثماني ساعات للنوم، وثماني ساعات للراحة والاستمتاع بالحياة.
هذا الإصرار أثمر أول احتفال بعيد العمال في نيويورك عام 1882، ليمهد الطريق أمام تشريعات قانونية تحمي النقابات وتمنح العمال كياناً معترفاً به أمام أصحاب رؤوس الأموال والسلطات، بدعم مباشر من المنظرين والمناضلين الشيوعيين والاشتراكيين.
ولعل “ذكرى هايماركت” هي النقطة الأكثر مأساوية وتأثيراً في هذا التاريخ، ففي مطلع مايو عام 1886، شلت الإضرابات حركة الاقتصاد في شيكاغو بمشاركة مئات الآلاف من العمال بتنظيم من الحركات اللاسلطوية والاشتراكية، وهو ما واجهته الشرطة بالرصاص والقمع.
وتوجت الأحداث بانفجار قنبلة غامضة أدت لمقتل رجال شرطة وعمال، وأعقبتها أحكام إعدام جائرة بحق قادة عماليين تبين لاحقاً براءتهم. وتظل رسالة “أوجست سبايز” لابنه قبيل إعدامه رمزاً لهذه التضحية، حيث أكد فيها أنه يموت من أجل قضية شريفة ستفخر بها الأجيال القادمة، وهو ما تحقق بالفعل حين اعترفت الأممية الاشتراكية في باريس عام 1889 بهذا اليوم كحدث سنوي دولي لتكريم ذكرى هؤلاء الشهداء الذين ضحوا في سبيل المبادئ الاشتراكية والعمالية.
ومع مرور العقود، اكتسب الأول من مايو طابعاً عالمياً ودينياً أيضاً، ففي عام 1955 باركت الكنيسة الكاثوليكية هذا اليوم واعتبرت “القديس يوسف النجار” شفيعاً للحرفيين والعمال، تأكيداً على قيمة العمل اليدوي وكرامته، رغم الجذور العلمانية والشيوعية للاحتفال.
ورغم أن الولايات المتحدة وكندا اختارتا أول يوم اثنين من سبتمبر عيداً رسمياً للعمل للابتعاد عن الإرث الأيديولوجي المرتبط بالأول من مايو، إلا أن الزخم الشعبي الذي تقوده النقابات والحركات الاشتراكية ظل متمسكاً بهذا الموعد كموعد للاحتجاج والتعبير عن المواقف السياسية والاجتماعية، مثل التظاهر ضد الحروب أو المطالبة بالعدالة الاقتصادية، ليظل الأول من مايو شاهداً حياً على أن حقوق العمال هي الثمرة المباشرة لنضال التنظيمات الشيوعية واللاسلطوية والاشتراكية عبر التاريخ.















