لم يكن لقب “الزعيم الخالد” ترفًا إعلاميًا أُطلق جزافًا، إنما كان شهادة انتماءٍ صدرت من البيوت التي طالها النور لأول مرة، من الأب الذي علّم ابنه وغرس في وجدانه أن لهذا الرجل فضلًا لا يُنسى، وأن له يدًا بيضاء امتدت إلى من لم تكن تمتد إليهم يد.
الشعبية الحقيقية لا تُقاس بالميادين المكتظة ولا بالهتافات العابرة، بل بدمعة امتنانٍ في عينٍ لم تكن تحلم بالتعليم ولا بالكرامة.
إن الزعامة لا تُقاس بحجم الصور المعلقة على الجدران، بل بمدى استقرارها في وجدان الناس، وبعمق الأثر الذي تتركه في حياة البسطاء.
وحين يجلس أبٌ بسيطٌ مع ابنه ليقص عليه أن لولاه ما كان لباسٌ ولا تعليم ولا كيان، فاعلم أن هذا الرجل قد سكن القلوب قبل أن يسكن التاريخ.
إنه حبٌ نبت في أرض الفقر، فسقى الكرامة، وروى العزة، فأثمر وعيًا لا يمحوه الزمن، وذاكرةً لا تمحوها الأيام.
إن أردت أن تعرف قدر الرجل، فلا تسأل القصور ولا تسأل المنابر.
اسأل البسطاء الذين صار لهم صوتٌ بعد صمت، ومدارس بعد جهل، وكيان بعد هوان.
اسأل من مُنحوا حقهم بعد حرمان، ومن رُفع عنهم الظلم بعد رضوخ.
هذه هي الشرعية التي لا تُزوّر ولا تُشترى: أن يذكرك من لا يملك شيئًا، ويقول عنك “كان صاحب الفضل”.
ذلك هو الخلود الذي لا يمنحه الإعلام، ولا تصنعه الدعاية، بل يمنحه الامتنان الصادق لقلوبٍ عرفت من أنصفها.









