أثار إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلغاء الضربة العسكرية التي كانت متوقعة ضد إيران، موجة واسعة من التساؤلات بشأن دوافع هذا التحول المفاجئ، وما إذا كان يعكس انفراجة دبلوماسية حقيقية أم مجرد تهدئة مؤقتة تمهد لاستئناف المفاوضات، في ظل قراءات متباينة داخل واشنطن وطهران حول مستقبل الأزمة بين البلدين.
وفي هذا السياق، قال مراسل الجزيرة في واشنطن ناصر الحسيني إن الأوساط السياسية والإعلامية الأمريكية التزمت الصمت عقب إعلان ترمب، مشيرًا إلى أن القرار أحدث حالة من الدهشة داخل العاصمة الأمريكية، خاصة مع غياب أي توضيحات رسمية بشأن أسبابه أو طبيعة التفاهمات التي سبقته.
وأوضح الحسيني أن ترمب أعلن قراره عبر منصة “تروث سوشيال”، دون عقد مؤتمر صحفي أو الظهور في لقاء إعلامي، وهو الأسلوب الذي اعتاد استخدامه في مخاطبة الرأي العام، لافتًا إلى أن الساعات التي أعقبت الإعلان شهدت غيابًا ملحوظًا لأي تعليقات من أعضاء الإدارة الأمريكية أو الكونغرس أو حتى المحللين السياسيين.
وأضاف أن هذا الصمت يعكس حالة من المفاجأة، خاصة أن المؤشرات خلال الأيام الماضية كانت تشير إلى اقتراب تنفيذ ضربة عسكرية واسعة تستهدف منشآت إيرانية حيوية، بينها مواقع للطاقة ومراكز لتحلية المياه ومنشآت نووية وأهداف استراتيجية أخرى.
وفي طهران، كشف مدير مكتب الجزيرة نور الدين الدغير أن الساعات الأخيرة شهدت تراجعًا نسبيًا في حدة التوتر، بعد تدخل وسطاء إقليميين، موضحًا أن ما يجري حاليًا لا يمثل اتفاقًا نهائيًا، بل “استراحة محارب” لمدة 48 ساعة، تهدف إلى تهيئة الأجواء لاستئناف المفاوضات بشأن مضيق هرمز والملف النووي الإيراني.
وأشار الدغير إلى أن التصعيد الأخير جاء في أعقاب تبادل تهديدات متزايدة بين الطرفين، بالتزامن مع تحركات دبلوماسية قادها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، قبل أن تتدخل دول إقليمية، من بينها قطر والسعودية وتركيا وباكستان، لاحتواء الأزمة.
وأضاف أن المعلومات الواردة من طهران تؤكد عدم وجود اتفاق جديد حتى الآن، بل مجرد هدنة مؤقتة لإعادة ترتيب مسار التفاوض، خاصة فيما يتعلق بمستقبل الملاحة في مضيق هرمز.
وفي هذا الإطار، تتمسك إيران بمبدأ “العبور البريء” وفق القانون الدولي، وتقترح ترتيبات جديدة لتنظيم حركة السفن داخل المضيق، بما يراعي اعتبارات الأمن القومي، في ظل وجود القوات الأمريكية بالمنطقة.
من جانبه، رأى الباحث في الشؤون الإيرانية حسين رويوران أن العودة إلى طاولة المفاوضات تمثل مكسبًا لطهران، في ظل استمرار الضغوط والتصعيد.
وفي قراءة تحليلية، اعتبر الأكاديمي الدكتور محجوب الزويري أن تصريحات ترمب بشأن التوصل إلى تفاهمات حول مضيق هرمز والبرنامج النووي الإيراني تستهدف بالأساس الرأي العام الأمريكي، مشيرًا إلى أن ما تحقق حتى الآن لا يتجاوز كونه اختراقًا مؤقتًا قد يمهد لمفاوضات جديدة دون أن يعني انتهاء الأزمة.
وأضاف الزويري أن الغموض لا يزال يحيط بمصير البرنامج النووي الإيراني، خاصة في ظل غياب تقييم دقيق لحجم الأضرار التي لحقت بالمنشآت النووية، رغم الحديث عن توقف البرنامج منذ منتصف عام 2025.
واختتم بأن مهلة التهدئة الحالية قد تمثل فرصة لفتح مسار تفاوضي جديد بين واشنطن وطهران، إذا ما نجحت الجهود الإقليمية في تثبيت هذا الهدوء المؤقت.













