ماذا لو كانت أعظم قيمة لما بنته مصر خلال السنوات الماضية لم تظهر بالكامل بعد؟
ماذا لو أن القيمة الاقتصادية الكبرى للطرق والموانئ ومحطات الطاقة والمدن الجديدة لا تكمن فقط في حجم الاستثمارات التي استوعبتها، وإنما فيما يمكن أن تنشئه فوقها من مصانع وشركات وصادرات وفرص عمل خلال السنوات المقبلة؟
من وجهة نظري، هذا أحد أهم الأسئلة الاقتصادية التي تستحق النقاش اليوم.
فالدول لا تقيس نجاح استثماراتها بحجم الأموال التي أنفقتها فقط، وإنما بقدرة هذه الاستثمارات على توليد عائد اقتصادي مستمر، وتحسين الإنتاجية، وجذب رؤوس أموال جديدة، وخلق فرص حقيقية للمواطنين.
ومصر تمتلك اليوم فرصة مهمة للبناء على ما تم إنجازه في البنية الأساسية، والانتقال إلى مرحلة يصبح فيها تعظيم الاستفادة الاقتصادية من هذه الأصول محورًا رئيسيًا للنمو.
فالطريق الذي يربط بين مدينتين إنجاز مهم، لكن القيمة الاقتصادية الأكبر تتحقق عندما يربط بين مصنع وميناء وسوق تصديرية وعمالة منتجة.
من البناء إلى تعظيم العائد
خلال السنوات الماضية، شهدت مصر توسعًا في مشروعات الطرق والنقل والطاقة والموانئ والمناطق العمرانية والصناعية.
هذه المشروعات تختلف في طبيعتها وعوائدها ومدد استرداد تكاليفها، لكن البنية الأساسية في مجملها تمثل أحد العناصر المهمة لتهيئة بيئة الاستثمار وخفض بعض تكاليف ممارسة الأعمال، ومع ذلك، فإن إنشاء البنية الأساسية لا يؤدي تلقائيًا إلى ارتفاع الإنتاج أو الصادرات.
العائد الاقتصادي يتوقف على مدى استخدام هذه الأصول، وكفاءة إدارتها، وقدرتها على جذب الأنشطة الإنتاجية والخدمات المرتبطة بها.
فالميناء الحديث يحتاج إلى صادرات وشبكات إمداد وخدمات لوجستية. والطاقة المتاحة تحتاج إلى مصانع تستخدمها بكفاءة. والمناطق الصناعية تحتاج إلى مستثمرين وموردين وعمالة مؤهلة وأسواق قادرة على استيعاب المنتجات.
ولهذا أرى أن المرحلة المقبلة يمكن أن تركز بدرجة أكبر على تحويل الاستثمارات القائمة إلى نشاط اقتصادي قابل للقياس.
وهذا ليس تغييرًا في اتجاه التنمية، بل استكمال للمنظومة الاقتصادية التي يجري بناؤها.
قرارات نوفمبر تعكس أهمية الاستثمار المنتج
تأتي التطورات الاقتصادية الأخيرة لتؤكد أن الصناعة والتصدير وتعميق الإنتاج المحلي أصبحت ملفات رئيسية على جدول الأعمال الاقتصادي.
ففي 5 نوفمبر 2026، تابع مجلس الوزراء آليات تنفيذ مخرجات «منتدى مصر 2026» في ملفات الاستثمار المنتج والصناعة التنافسية وفرص العمل المستدامة.
كما وافق مجلس الوزراء في اليوم نفسه على برنامج جديد لرد الأعباء التصديرية يستهدف تعزيز تنافسية المنتجات المصرية، ويتضمن تطوير مساندة المصدرين والشحن والخدمات المرتبطة بالتصدير، وفقًا للضوابط المعلنة.
وقبل ذلك بيوم، استعرضت الحكومة خطة توطين صناعة السيارات والصناعات المغذية لها، بما يشمل مكونات السيارات الكهربائية والبطاريات والمحركات والتعاون مع الشركات الصناعية..
هذه الخطوات مهمة لأنها تربط بين جذب الاستثمار وبناء قدرات إنتاجية أكثر عمقًا.
لكن القيمة الاقتصادية النهائية لأي برنامج لا تحددها الموافقة عليه وحدها، وإنما قدرته على الوصول إلى مرحلة التشغيل وتحقيق نتائج ملموسة.
وأرى أن أفضل ما يمكن تقديمه لهذه الجهود هو مجموعة من المؤشرات الواضحة لقياس أثرها، إلى جانب الاستمرار في دعم المبادرات التي تثبت جدواها.
المصنع أهم من عدد العقود الموقعة
من واقع خبرتي في الاستثمار وتطوير الأعمال، تعلمت أن هناك فرقًا كبيرًا بين الإعلان عن استثمار وبين تحويله إلى مشروع منتج.
فالتوقيع على اتفاقية استثمار خطوة إيجابية، لكن المستثمر والمجتمع لا يحققان كامل القيمة المتوقعة منها إلا عندما تبدأ الأعمال، وتكتمل مراحل التنفيذ، وتدخل خطوط الإنتاج الخدمة، وتظهر المنتجات في الأسواق.
لذلك أقترح أن يكون تقييم المشروعات الكبرى قائمًا على مجموعة من الأسئلة العملية:
كم مشروعًا بدأ التشغيل الفعلي؟ وكم فرصة عمل مستقرة أوجد؟ وما حجم المكون المحلي؟ وما القيمة المضافة التي يحققها؟ وما قدرته على المنافسة والتصدير؟
هذه الأسئلة ليست انتقادًا لأي مشروع، وإنما أدوات ضرورية لقياس نجاحه وتعظيم العائد منه.
فالهدف ليس زيادة أعداد المشروعات المعلنة فقط، بل زيادة المشروعات التي تعمل وتنتج وتستمر في النمو.
الصناعة المحلية تبدأ من سلسلة الموردين
أحد أهم الدروس التي تقدمها التجارب الصناعية الدولية هو أن جذب مصنع كبير لا يعني بالضرورة بناء صناعة محلية متكاملة.
القيمة الحقيقية تتضاعف عندما تنشأ حول المصنع شبكة من الشركات التي توفر المكونات والخدمات والصيانة والتغليف والنقل والتكنولوجيا.
ولهذا فإن التوسع في صناعة السيارات ومكوناتها يمثل مثالًا جيدًا على الفرصة المتاحة أمام الاقتصاد المصري.
فنجاح هذا القطاع لا يتوقف على عدد السيارات التي يتم تجميعها أو تصنيعها، وإنما على مقدار القيمة التي تضيفها الشركات المصرية إلى المنتج النهائي.
هل تستطيع المصانع المحلية إنتاج المكونات بالمواصفات المطلوبة؟ وهل تتوافر شهادات الجودة والخبرات الفنية؟ وهل تستطيع الشركات الصغيرة والمتوسطة الدخول في سلاسل التوريد؟
كلما اتسعت هذه الروابط، زادت فرص انتقال الخبرات والتكنولوجيا، وارتفعت القيمة المضافة المحلية، وتحسنت قدرة الصناعة على المنافسة.
والمصنع الكبير يحقق أثرًا اقتصاديًا أكبر عندما يساعد على إنشاء عشرات الشركات المنتجة حوله.
التصدير هو الاختبار الحقيقي للتنافسية
السوق المصرية كبيرة ومهمة، لكن تعظيم عائد الاستثمار الصناعي يستدعي النظر إلى الأسواق الخارجية أيضًا.
فالشركة القادرة على التصدير بصورة مستدامة تضطر إلى الالتزام بمعايير الجودة والتكلفة ومواعيد التسليم ومتطلبات العملاء الدوليين.
وهذا ينعكس عادة على قدرتها التنافسية داخل السوق المحلية كذلك.
ومن هذا المنطلق، فإن تحديث برنامج رد الأعباء التصديرية خطوة تستحق الاهتمام.
لكن مساندة الصادرات ينبغي النظر إليها باعتبارها جزءًا من منظومة أوسع، تشمل جودة الإنتاج، وتكاليف الطاقة والنقل، وسهولة الإجراءات، وتوافر التمويل، والقدرة على دخول الأسواق الجديدة.
فالدعم المالي وحده لا يصنع شركة تصديرية ناجحة إذا كانت تكاليف التشغيل مرتفعة أو كانت المنتجات غير قادرة على تلبية احتياجات العملاء.
وأرى أن نجاح برامج المساندة يمكن قياسه ليس فقط بحجم المبالغ المنصرفة، بل أيضًا بعدد المصدرين الجدد، واستمرار الشركات في الأسواق الخارجية، ونمو الصادرات ذات القيمة المضافة.
الشركات الصغيرة والمتوسطة ليست هامش الاقتصاد
أحد المجالات التي أرى أنها تستحق أولوية كبيرة هو ربط المشروعات الصغيرة والمتوسطة بمنظومة الاستثمار الصناعي.
فهذه الشركات تستطيع أن تلعب أدوارًا مهمة في توفير المكونات والخدمات والأنشطة المساندة للمشروعات الكبرى.
لكن تحقيق ذلك يحتاج إلى مسارات عملية لتأهيلها.
من المفيد مثلًا توسيع برامج اعتماد الموردين المحليين، وتطوير التدريب الفني، ودعم الحصول على شهادات الجودة، وإتاحة معلومات واضحة عن احتياجات المصانع الكبرى.
كذلك يجب النظر إلى تمويل رأس المال العامل باعتباره مسألة مهمة لنمو الشركات المنتجة.
فقد تحصل شركة صغيرة على طلب توريد كبير، لكنها تعجز عن تنفيذه بسبب عدم توافر السيولة اللازمة لشراء الخامات أو تشغيل خطوط الإنتاج.
عندما تتكامل فرص التعاقد مع التمويل المناسب والتدريب والمعايير الفنية، يمكن للشركات الصغيرة أن تتحول من أنشطة محدودة إلى موردين صناعيين قادرين على المنافسة.
وهنا تظهر إحدى الفوائد الاجتماعية والاقتصادية المهمة للاستثمار المنتج، وهي توسيع فرص ريادة الأعمال وخلق وظائف أكثر استدامة.
المستثمر لا يبحث عن الحوافز وحدها
تتنافس الدول على جذب الاستثمارات من خلال الحوافز الضريبية والأراضي والتسهيلات والخدمات.
لكن المستثمر الجاد ينظر إلى الصورة الكاملة.
فهو يريد وضوح الإجراءات، وقابلية التنبؤ بالتكاليف، وتوافر العمالة المناسبة، وسهولة الوصول إلى الموردين والأسواق، وقدرة المشروع على تحقيق عائد يتناسب مع المخاطر.
ومن واقع التعامل مع بيئات استثمارية مختلفة، أرى أن استقرار القواعد ووضوح المسؤوليات وسرعة حل المشكلات التشغيلية عناصر مهمة لبناء ثقة المستثمر.
وهذه الثقة لا تنشأ فقط عند بداية المشروع، وإنما تتجدد طوال مراحل تشغيله وتوسعه.
لذلك فإن تحسين تجربة المستثمر القائم قد يكون أحيانًا بنفس أهمية جذب مستثمر جديد.
فالمستثمر الذي ينجح في تشغيل مشروعه الأول، ويجد بيئة تساعده على التوسع، يصبح من أكثر الأطراف قدرة على نقل تجربة إيجابية إلى مستثمرين آخرين.
كيف نقيس نجاح المرحلة المقبلة؟
أعلنت الحكومة ضمن خطة العام المالي 2026/2027 استهداف نمو اقتصادي بنسبة 5.4%، واستثمارات كلية بقيمة 3.7 تريليون جنيه، مع توقع مساهمة القطاع الخاص بنحو 59% من إجمالي الاستثمارات.
هذه مستهدفات مهمة، وينبغي التعامل معها بوصفها أهدافًا تتطلب التنفيذ والمتابعة، لا نتائج تحققت بالفعل.
وأرى أن قياس التقدم يمكن أن يستند إلى خمسة مؤشرات مترابطة:
أولًا: الإنتاجية. مدى زيادة الإنتاج لكل عامل ولكل وحدة من رأس المال والطاقة المستخدمة.
ثانيًا: القيمة المضافة المحلية. حجم ما تنتجه الشركات المصرية داخل سلاسل التصنيع بدلًا من الاعتماد الكامل على المكونات المستوردة.
ثالثًا: التصدير. نمو الصادرات الصناعية وقدرة المنتجات المصرية على دخول أسواق جديدة والاستمرار فيها.
رابعًا: التشغيل. عدد الوظائف المستدامة وجودتها ومدى ارتباطها بمهارات مطلوبة في سوق العمل.
خامسًا: مشاركة القطاع الخاص. حجم الاستثمارات الخاصة التي انتقلت من مرحلة الإعلان والتخطيط إلى التنفيذ والتشغيل الفعلي.
هذه المؤشرات تجعل من الممكن تقييم أثر الاستثمارات بصورة أكثر دقة، وتساعد على توجيه الموارد إلى الأنشطة الأعلى قيمة اقتصادية.
الفرصة المصرية في المرحلة القادمة
تمتلك مصر مجموعة من المقومات التي يمكن البناء عليها، من موقع جغرافي مهم واتصال بأسواق إقليمية متعددة، إلى قاعدة سكانية كبيرة وبنية نقل وطاقة وموانئ ومناطق صناعية آخذة في التطور.
لكن الاستفادة القصوى من هذه المقومات تحتاج إلى تنسيق مستمر بين الصناعة والاستثمار والتعليم والتجارة والتمويل.
وأعتقد أن الفرصة ليست في الاختيار بين مشروعات البنية الأساسية والمشروعات الإنتاجية، وإنما في جعل كل منهما يعزز الآخر.
فالاستثمار في البنية الأساسية يهيئ الظروف، والاستثمار الإنتاجي يستخدم هذه الظروف لتوليد السلع والخدمات والدخل وفرص العمل.
ومع استمرار تطوير السياسات الصناعية والتصديرية، يمكن أن تصبح المرحلة المقبلة فرصة لتعزيز الروابط بين المشروعات الكبرى والمصانع المحلية والشركات الصغيرة والأسواق الخارجية.
وهذا يتطلب تنفيذًا منضبطًا، وقياسًا واقعيًا للنتائج، ومشاركة فعالة من المستثمرين ورجال الأعمال والمؤسسات التعليمية والتمويلية.
خلاصة الدكروري: من حجم الاستثمار إلى قيمة ما ينتجه
من واقع تجربتي في الاستثمار وإدارة الأعمال والاستشارات الاستراتيجية الدولية، أرى أن مستقبل الاقتصاد المنتج لا يتحدد فقط بحجم رأس المال الذي نستطيع جذبه، وإنما بقدرتنا على تحويل هذا المال إلى قيمة اقتصادية مستمرة.
فمصر لا تحتاج إلى الاختيار بين البناء والإنتاج؛ بل تحتاج إلى تعظيم الترابط بينهما.
كل ميناء يمكن أن يخدم صادرات جديدة، وكل طريق يمكن أن يربط مصنعًا بسوق، وكل منطقة صناعية يمكن أن تفتح المجال لشركات جديدة، وكل استثمار ناجح يمكن أن يخلق سلسلة من الفرص حوله.
رسالتي بسيطة: لا نقيس نجاح الاستثمار بما ننفقه اليوم فقط، بل بما ينتجه غدًا.
فالمليارات تكتسب قيمتها الحقيقية عندما تتحول إلى مصانع تعمل، ومنتجات تنافس، وصادرات تنمو، وشركات تتوسع، وفرص عمل تفتح أبواب المستقبل أمام الشباب.
الاقتصاد القوي لا يكتفي ببناء الأصول، بل يحسن استخدامها لصناعة القيمة. وهذا هو التحدي والفرصة معًا أمام مصر في المرحلة المقبلة.
بقلم: د. علي الدكروري
رجل أعمال ومستثمر ومستشار استراتيجي دولي
المؤسس والرئيس التنفيذي لمجموعة CTrustGlobal
