لا يُعد يوم جلوس البابا تواضروس الثاني على الكرسي المرقسي، أو حتى يوم اختياره بطريركًا، هو الأكثر تأثيرًا في مسيرته، بل يظل يوم رهبنته هو اللحظة الفارقة التي أعادت تشكيل حياته بالكامل.
وفي الحادي والثلاثين من يوليو عام 1988، اتخذ الدكتور وجيه صبحي باقي سليمان قرارًا مصيريًا بترك حياته المهنية المستقرة في مجال الصيدلة والعمل الحكومي، ليلتحق بدير الأنبا بيشوي بوادي النطرون، ويبدأ رحلة جديدة عنوانها الصلاة والتجرد، حاملًا اسم “الراهب ثيؤدور الأنبا بيشوي”.
ومع اقتراب 31 يوليو 2026، تحل الذكرى الثامنة والثلاثون لرهبنة البابا تواضروس الثاني، لتعيد إلى الأذهان واحدة من أهم المحطات التي صنعت شخصية البطريرك رقم 118 في تاريخ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.
لم تكن الرهبنة مجرد انتقال في حياة البابا تواضروس، بل كانت قرارًا غيّر مسار مستقبله بالكامل، حيث ظل حلم الدير يرافقه منذ شبابه، قبل أن يتجه إلى دير الأنبا بيشوي عام 1986 خلال صوم السيدة العذراء، ليبدأ فترة اختبار استمرت قرابة عامين.
وخلال تلك الفترة، عاش حياة البساطة والخدمة، فعمل في مطبخ الدير واستقبل الزائرين وساهم في صيدليته، مؤمنًا بأن الخدمة هي البداية الحقيقية لأي طريق روحي.
تأجيل الرسامة.. وموعد اختاره القدر
شهدت رهبنة البابا تواضروس واقعة لافتة، حيث كان مقررًا أن تتم في 18 يوليو 1988، إلا أن الزحام حال دون دخول البابا شنودة الثالث إلى الدير، ليتم تأجيل الرسامة في اللحظات الأخيرة.
وبعد أسبوعين، وتحديدًا في 31 يوليو، أُقيمت صلوات الرهبنة في هدوء كامل بعد إغلاق أبواب الدير، وهو اليوم الذي يعتبره البابا الموعد الذي اختاره الله لبداية حياته الجديدة.
من عالم الدواء إلى حياة البرية
قبل الرهبنة، حقق البابا تواضروس نجاحًا مهنيًا في مجال الصيدلة، حيث تخرج عام 1975، وحصل على دبلومة الصيدلة الصناعية، وعمل في أحد مصانع الأدوية التابعة لوزارة الصحة حتى تولى منصب مدير المصنع.
ورغم هذا النجاح، ظل الحنين إلى الحياة الرهبانية أقوى، ليقدم استقالته بعد 10 سنوات و10 أشهر و10 أيام من العمل، ويبدأ صفحة جديدة في حياته.
بعد الرهبنة، تدرج البابا تواضروس في الخدمة، فرُسم قسًا عام 1989، ثم خدم في إيبارشية البحيرة ومطروح، قبل أن يُرسم أسقفًا عامًا عام 1997.
كما امتدت خدمته خارج مصر، حيث شارك في فعاليات كنسية دولية، وزار قبرص وخدم في ليبيا، إلى جانب اهتمامه بالدراسة والتأليف.
من الأسقفية إلى الكرسي المرقسي
في الرابع من نوفمبر 2012، اختارته القرعة الهيكلية ليصبح البابا رقم 118، وفي 18 نوفمبر من العام نفسه جلس على الكرسي المرقسي، ليقود الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في مرحلة مهمة من تاريخها.
“المحبة لا تسقط أبدًا”
منذ بداية خدمته، اتخذ البابا تواضروس شعار “المحبة لا تسقط أبدًا”، ليكون منهجًا قائمًا على الحوار والانفتاح وتعزيز قيم السلام، مع الحفاظ على ثوابت الإيمان.
38 عامًا من العطاء
بعد مرور 38 عامًا على رهبنته، يظل هذا اليوم علامة فارقة في حياة البابا تواضروس، كونه البداية الحقيقية لمسيرة امتدت من هدوء الدير إلى قيادة ملايين الأقباط داخل مصر وخارجها، لتبقى الرهبنة هي الجذر الذي انطلقت منه كل محطات الخدمة والقيادة.














