لم يكن خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن التدخل الأجنبي في الانتخابات الأمريكية مجرد تحذير يتعلق بأمن العملية الانتخابية، بل تحول إلى محور معركة سياسية داخل الإدارة الأمريكية وخارجها، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
وكشفت تقارير صحفية أمريكية وبريطانية أن إعداد الخطاب شهد خلافات داخل البيت الأبيض حول حجم التصعيد الذي يجب أن يتضمنه، خاصة فيما يتعلق باتهام مسؤولين سابقين في أجهزة الاستخبارات بالتستر على معلومات مرتبطة بتدخلات انتخابية مزعومة.
وذكرت صحيفة “بوليتيكو” الأمريكية أن بيل بولتي، القائم بأعمال مدير الاستخبارات الوطنية وأحد المقربين من ترمب، دفع باتجاه الكشف عن أسماء مسؤولين استخباراتيين اتهمهم بإخفاء معلومات، إلا أن مسؤولين كبارًا في البيت الأبيض عارضوا الفكرة خشية تعرض هؤلاء الأشخاص للاستهداف أو تهديد حياتهم.
وأشارت الصحيفة إلى أن تدخل رئيسة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز ومسؤولين آخرين أدى إلى خروج الخطاب بصيغة أكثر تحفظًا، بعدما رأوا أن مهاجمة أجهزة الاستخبارات بشكل مباشر قد تضعف الرسالة الأساسية المتعلقة بأمن الانتخابات.
وخلال الخطاب، استند ترمب إلى وثائق رفعت عنها السرية، قال إنها تكشف نقاط ضعف في النظام الانتخابي الأمريكي، خاصة فيما يتعلق بمزاعم حصول الصين على بيانات ناخبين ومخاطر أنظمة التصويت الإلكترونية.
لكن صحيفة “بوليتيكو” أوضحت أن هذه الوثائق لم تقدم دليلًا حاسمًا على وجود حملة صينية واسعة أثرت على نتائج انتخابات 2020، وإنما عكست خلافات سابقة داخل أجهزة الاستخبارات حول طبيعة النشاط الصيني.
وفيما يتعلق بأجهزة التصويت، أكد خبراء الانتخابات أن المشكلة الأكبر لا تتمثل في وجود ثغرات تقنية، وإنما في استغلال تلك الثغرات لنشر الشكوك حول العملية الانتخابية بأكملها، مشيرين إلى عدم وجود أدلة تثبت اختراق أنظمة التصويت بطريقة غيرت نتائج الانتخابات.
ولفتت التقارير إلى أن الولايات الأمريكية عززت إجراءات حماية الانتخابات خلال السنوات الماضية، خاصة بعد الهجمات الروسية على قواعد بيانات الناخبين عام 2016، من خلال التوسع في استخدام بطاقات الاقتراع الورقية أو الأنظمة التي توفر سجلات قابلة للمراجعة.
ويرى خبراء أن التأثير السياسي للخطاب قد يكون أكثر خطورة من التهديدات التقنية، إذ إن استمرار التشكيك في نزاهة الانتخابات قد يؤدي إلى فقدان الثقة بنتائجها ورفضها مستقبلًا.
كما أشارت “بوليتيكو” إلى احتمال سعي إدارة ترمب لفرض إجراءات جديدة على الولايات قبل الانتخابات، مثل ربط بعض المساعدات الفيدرالية بمتطلبات أمنية إضافية، وهو ما يواجه اعتراضات قانونية بسبب اختصاص الولايات بإدارة الانتخابات.
من جانبها، رأت صحيفة “إندبندنت” البريطانية أن خطاب ترمب فقد جزءًا من تأثيره بسبب تكرار ادعاءات سابقة، معتبرة أن اتهام الصين بالتدخل الانتخابي أصبح لدى بعض الأمريكيين ووسائل الإعلام خطابًا سياسيًا متكررًا.
أما صحيفة “غارديان” البريطانية، فاعتبرت أن الخطاب يتجاوز الحديث عن التدخل الأجنبي إلى محاولة إضعاف الثقة بالنظام الانتخابي نفسه، محذرة من أن تكرار هذه الادعاءات قد يؤثر على صورة المؤسسات الديمقراطية.
وتطرقت الصحيفة إلى إجراءات أخرى، من بينها مشروع قانون “إنقاذ أمريكا” المتعلق بإثبات الجنسية عند التسجيل للتصويت، محذرة من احتمال تأثيره على مشاركة بعض الناخبين المؤهلين.
وبحسب محللين نقلت عنهم الصحيفة، فإن أحد أكثر السيناريوهات إثارة للقلق يتمثل في احتمال استخدام خطاب أمن الانتخابات لتهيئة الظروف السياسية لاتخاذ إجراءات استثنائية خلال انتخابات التجديد النصفي المقبلة.
وفي النهاية، تخلص التغطيات الصحفية إلى أن الجدل حول أمن الانتخابات الأمريكية لم يعد مرتبطًا فقط بمخاطر التدخل الأجنبي، بل أصبح جزءًا من صراع أوسع حول الثقة في المؤسسات الديمقراطية ومستقبل العملية الانتخابية في الولايات المتحدة.















