في الاقتصاد، هناك أرقام نتابعها لأنها تصف ما حدث بالفعل، وهناك مؤشرات أخرى تستحق اهتمامًا أكبر لأنها قد تعطينا إشارة مبكرة إلى ما يمكن أن يحدث خلال الفترة المقبلة.
ومن هذه المؤشرات قرارات الشركات بشأن التوظيف والاستثمار والتوسع.
فالقرار بتعيين موظفين جدد ليس قرارًا عابرًا بالنسبة لأي شركة. إنه يعني تحمل تكلفة والتزام مالي مستمر، وغالبًا لا تتخذه الإدارة إلا عندما يكون لديها قدر من الثقة في استمرار النشاط وتحسن الطلب خلال الفترة المقبلة.
ولهذا فإن أحدث مؤشرات القطاع الخاص غير النفطي في مصر تستحق قراءة متأنية.
فقد ارتفع مؤشر مديري المشتريات خلال أغسطس إلى 49.6 نقطة، مقارنة بـ46.8 نقطة في يوليو، ليصل إلى أعلى مستوى له خلال سبعة أشهر ويقترب بدرجة كبيرة من مستوى الخمسين نقطة الذي يفصل بين الانكماش والتوسع.
لكنني أرى أن الرقم الأكثر أهمية داخل هذه البيانات ليس المؤشر الرئيسي وحده.
الأكثر لفتًا للانتباه أن الشركات عادت إلى زيادة أعداد العاملين، وسجل التوظيف ثاني أسرع معدل نمو منذ بدء المسح قبل أكثر من خمسة عشر عامًا.
وفي الوقت نفسه، ارتفعت ثقة الشركات بشأن النشاط المستقبلي إلى أعلى مستوياتها منذ أكثر من أربع سنوات.
وهذان المؤشران معًا يستحقان التوقف.
عندما تبدأ الشركات في التوظيف من جديد، فهذا يعني أن الثقة قد تبدأ في العودة إلى السوق قبل أن يظهر التعافي بالكامل في أرقام الإنتاج والمبيعات.
وهنا يجب أن نفرق بين التفاؤل والقراءة الواقعية.
وصول مؤشر مديري المشتريات إلى 49.6 نقطة لا يعني أن القطاع الخاص دخل بالفعل مرحلة توسع قوي، لأنه لا يزال أقل قليلًا من مستوى الخمسين.
كما أن الشركات ما زالت تواجه تحديات تتعلق بتكاليف الإنتاج والسيولة وأسعار المواد الخام والنقل وبعض الاضطرابات في سلاسل الإمداد.
لكن الاتجاه الذي يتحرك فيه المؤشر مهم بقدر أهمية الرقم نفسه.
فالانتقال من 46.8 إلى 49.6 خلال شهر واحد، بالتزامن مع تحسن التوظيف وارتفاع توقعات الشركات، يعطينا إشارة إلى أن القطاع الخاص أصبح أكثر قدرة على النظر إلى الأشهر المقبلة بدرجة أكبر من الثقة.
وفي رأيي، الثقة الاقتصادية لا يمكن أن تصنعها التصريحات وحدها.
رجل الأعمال يبدأ في الشعور بالثقة عندما يستطيع أن يرى أمامه درجة معقولة من الاستقرار، وأن يحسب تكلفة مشروعه، ويتوقع حركة الطلب، ويدير تدفقاته النقدية، ويتخذ قراراته الاستثمارية دون أن تتغير المعادلة بصورة كبيرة خلال فترة قصيرة.
ولهذا فإن استقرار الاقتصاد الكلي ليس هدفًا منفصلًا عن الاستثمار.
إنه الأساس الذي يسمح للمستثمر باتخاذ قرار طويل الأجل.
وقد شهد الاقتصاد المصري خلال الفترة الماضية تحسنًا في عدد من القطاعات الإنتاجية، خصوصًا الصناعة التحويلية غير البترولية والسياحة والاتصالات، وهي قطاعات تمتلك قدرة حقيقية على خلق الوظائف وزيادة الصادرات وجذب الاستثمارات.
كما شهدت الاستثمارات الخاصة توسعًا ملحوظًا في الفترات السابقة، وهو اتجاه يجب البناء عليه.
فالمرحلة المقبلة في رأيي يجب أن تركز بصورة أكبر على تحويل التحسن في المؤشرات الكلية إلى نشاط يشعر به القطاع الخاص بصورة مباشرة.
وهذا يتطلب استمرار العمل على أربعة محاور رئيسية.
الأول هو خفض تكلفة ممارسة الأعمال.
فالمستثمر لا يحسب الضرائب وحدها، وإنما يحسب الوقت والتراخيص والتمويل والطاقة والنقل والجمارك وكل يوم يتأخر فيه المشروع عن بدء الإنتاج.
وكل تحسن في هذه العناصر يزيد تنافسية الاقتصاد حتى دون تقديم حوافز مالية إضافية.
المحور الثاني هو دعم الصناعة والإنتاج.
فالاقتصاد الذي يعتمد بدرجة أكبر على القطاعات الإنتاجية والتصديرية يكون أكثر قدرة على خلق فرص العمل وتوليد موارد مستدامة من النقد الأجنبي.
وهذا يجعل توطين الصناعة وزيادة المكون المحلي ودعم الصناعات المغذية أهدافًا اقتصادية وليست صناعية فقط.
أما المحور الثالث فهو تمكين المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
فالاقتصادات لا تُبنى بالشركات الكبرى وحدها.
حول كل مصنع كبير يجب أن تكون هناك عشرات وربما مئات الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تقدم المكونات والخدمات والنقل والصيانة والتكنولوجيا.
وكلما اتسعت هذه الشبكة، أصبحت فوائد الاستثمار أكثر انتشارًا في الاقتصاد.
أما المحور الرابع فهو الحفاظ على ثقة المستثمر القائم.
نحن نتحدث كثيرًا عن جذب مستثمر جديد، وهو أمر ضروري، لكن المستثمر الموجود بالفعل في السوق لا يقل أهمية.
عندما يقرر صاحب مصنع زيادة خط إنتاج، أو شركة فتح فرع جديد، أو مستثمر إعادة ضخ أرباحه في مشروعه داخل مصر، فإن هذا يمثل تصويتًا عمليًا بالثقة في الاقتصاد.
ولهذا أرى أن أحد أهم مؤشرات النجاح خلال المرحلة المقبلة يجب أن يكون حجم التوسعات وإعادة الاستثمار داخل الشركات القائمة، وليس فقط عدد المشروعات الجديدة التي يتم الإعلان عنها.
وهناك جانب آخر لا يقل أهمية.
التحسن الاقتصادي الحقيقي يجب في النهاية أن ينعكس على فرص العمل والدخل والإنتاج.
ولهذا لفت انتباهي تحديدًا مؤشر التوظيف في البيانات الأخيرة.
فالاقتصاد قد يسجل نموًا نتيجة نشاط قطاع معين، لكن عندما تبدأ قطاعات متعددة في إضافة وظائف جديدة، يصبح أثر النمو أكثر انتشارًا داخل المجتمع.
وهنا يتحول النمو من مجرد نسبة في تقرير اقتصادي إلى دخل جديد لأسرة، وفرصة لشاب، وطلب إضافي في السوق، واستثمار جديد لشركة.
هذه هي الدائرة الاقتصادية التي نريد الحفاظ عليها.
شركة أكثر ثقة توظف عاملًا جديدًا.
العامل يحصل على دخل وينفق جزءًا منه.
يزداد الطلب.
ترتفع مبيعات شركة أخرى.
فتقرر هي الأخرى التوسع والتوظيف.
وهكذا يبدأ التحسن الاقتصادي في تغذية نفسه.
لكن الوصول إلى هذه المرحلة يحتاج إلى الاستمرارية.
لا ينبغي أن نقرأ مؤشر شهر واحد باعتباره نهاية التحديات، كما لا ينبغي أن نتجاهل الإشارات الإيجابية عندما تظهر.
الأفضل أن نتعامل معها باعتبارها فرصة يجب البناء عليها.
فإذا استمرت ثقة القطاع الخاص في الارتفاع، وتحسن الطلب، واستقرت تكاليف الإنتاج، وزادت قدرة الشركات على الحصول على التمويل والتوسع، فإن الاقتراب الحالي من مستوى النمو يمكن أن يتحول إلى توسع أكثر وضوحًا خلال الفترة المقبلة.
الثقة هي أول رأس مال يدخل أي مشروع قبل الأموال.
وعندما يشعر المستثمر أن السوق أصبح أكثر قدرة على التوقع، يبدأ في التوسع.
وعندما يتوسع، يبدأ في التوظيف.
وعندما يزيد التوظيف والإنتاج، يتحول التحسن في المؤشرات إلى تحسن حقيقي داخل الاقتصاد.
ولهذا فإن أهم رسالة تحملها بيانات أغسطس بالنسبة لي ليست أن الاقتصاد وصل بالفعل إلى نهاية الطريق.
بل إن هناك إشارات تقول إن الثقة بدأت تعود إلى السوق، والمطلوب الآن هو الحفاظ عليها وتحويلها إلى استثمار وإنتاج وفرص عمل.
د. علي الدكروري
رائد أعمال ومستشار استراتيجي دولي في الاستثمار والتنمية الاقتصادية













