كشفت وثائق سرية رُفعت عنها السرية مؤخرًا من أرشيف مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (FBI)، عن تحقيقات وعمليات مراقبة استهدفت شخصيات إسرائيلية بارزة خلال السنوات الأولى من تأسيس إسرائيل، في تطور يكشف جانبًا من طبيعة العلاقات بين واشنطن وتل أبيب في تلك الفترة، وما شهدته من مخاوف أمنية وشكوك متبادلة.
ونشرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية، السبت، تحقيقًا للصحفي دانيال أديلسون، استند إلى ملفات استخباراتية أمريكية صُنفت تحت مسمى «ISINT»، في إشارة إلى الاستخبارات الإسرائيلية.
وضمت الوثائق أسماء عدد من الشخصيات التي شغلت مناصب بارزة لاحقًا، من بينها حاييم هرتسوغ، الذي أصبح رئيسًا لإسرائيل، وتيدي كوليك، رئيس بلدية القدس الأسبق، إلى جانب دبلوماسيين ومسؤولي مشتريات ونشطاء ورجال أعمال وصحفيين وعلماء.
وأكدت المعلومات أن ورود الأسماء في الملفات لا يعني بالضرورة تورط أصحابها في أعمال تجسس أو ارتكاب مخالفات، إذ تضمنت الوثائق مجرد شبهات وتحريات وأوامر مراقبة، لم تنتهِ جميعها إلى إثبات أي مخالفات.
كيف خرجت الوثائق السرية إلى العلن؟
حصل موقع «واي نت» على الوثائق بعد الإفراج عنها بموجب قانون حرية المعلومات الأمريكي، عقب طلب تقدم به معهد الأبحاث الأمريكي IRmep في مارس 2014، واستمرت عملية تسليم الملفات على مراحل منذ يونيو 2026، حتى اكتملت المجموعة في نهاية أكتوبر الماضي، مع استمرار حجب أجزاء وأسماء من الوثائق.
وأظهرت الملفات أن مراقبة الشخصيات الإسرائيلية لم تقتصر على التحركات السياسية أو الاتصالات الرسمية، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية، بما في ذلك حجوزات الفنادق والفواتير والمكالمات الهاتفية وعناوين الإقامة والرحلات الجوية.
ومن بين الأمثلة التي كشفتها الوثائق متابعة زيارة القنصل الإسرائيلي في لوس أنجلوس، رؤوفين دافني، إلى سان فرانسيسكو عام 1950، حيث سجل المحققون بيانات غرفته الفندقية ورحلته وموعد مغادرته، واستفسروا عن الجهة التي تحملت تكاليف إقامته والمكالمات التي أجراها.
ورغم أن الزيارة كانت معلنة وتضمنت محاضرة عن مكانة إسرائيل في العالم، فإن تفاصيلها أُدرجت ضمن ملفات التحقيقات الأمريكية المتعلقة بإسرائيل.
شخصيات مستهدفة بالمراقبة
ومن أبرز ما كشفته الوثائق إعداد مكتب التحقيقات الفيدرالي مذكرة بشأن حاييم هرتسوغ في 8 مايو 1950، قبل وصوله إلى الولايات المتحدة لتولي منصب الملحق العسكري الإسرائيلي في واشنطن.
وطلب المكتب موافقة وزارة الخارجية الأمريكية لفتح تحقيق سري بشأنه، كما سجل وصوله إلى نيويورك على متن السفينة «كوين إليزابيث» في 15 مايو، وتفاصيل جواز سفره الدبلوماسي ووجهته إلى السفارة الإسرائيلية.
وامتدت التحقيقات إلى جدعون رافائيل، الذي تولى لاحقًا منصب المدير العام للخارجية الإسرائيلية، وعمل سفيرًا لدى الأمم المتحدة، حيث طلب مدير FBI آنذاك، ج. إدغار هوفر، إجراء تحقيق شامل بشأنه بواسطة عميل متمرس وبأقصى درجات الحذر.
وفي المقابل، لم تكن كل الشخصيات الإسرائيلية موضع اشتباه لدى المكتب، إذ خلص المحققون في حالة تيدي كوليك إلى أن زيارته إلى لوس أنجلوس لا تبدو مرتبطة بنشاط استخباراتي، وقرروا عدم إخضاعه لمراقبة شخصية.
شكوك أمريكية بشأن تسريب وثائق حكومية وشراء الأسلحة
وتضمنت الملفات تحقيقات بشأن احتمالات تسريب وثائق حكومية أمريكية إلى جهات صهيونية، وهي شكوك تعود إلى عام 1949.
وفي نوفمبر 1950، رصد المحققون شخصًا في واشنطن اقتبس بدقة محتويات خمسة تقارير أعدها ملحقون جويون أمريكيون، ما أثار مخاوف بشأن حصوله على نسخ من تلك الوثائق.
وحاول FBI تحديد مصدر التسريب من خلال مراجعة الجهات الحكومية التي تسلمت التقارير، بما فيها وزارات الخارجية والجيش والبحرية والقوات الجوية، لكن الوثائق المنشورة لم تقدم دليلًا حاسمًا على تحديد المسؤول عنه.
كما ركزت التحقيقات على شبكات شراء الطائرات والمعدات العسكرية لصالح إسرائيل، في ظل القيود الأمريكية المفروضة على تصدير الأسلحة إلى الشرق الأوسط.
وتناولت إحدى القضايا ناحوم بيرنشتاين، المحامي المرتبط بالوكالة اليهودية، وآل شويمر، الذي ساهم في تأمين الطائرات ونقلها إلى إسرائيل، إلى جانب مراجعة حسابات مصرفية استخدمت في تحويل الأموال.
ورغم طلب هوفر مراجعة القضية من وزارة العدل الأمريكية في واشنطن، لم يتخذ المدعي الفيدرالي في لوس أنجلوس إجراءً ضد بيرنشتاين، لعدم ثبوت جريمة تدخل ضمن اختصاصه.
شركة العال والبريد الدبلوماسي ضمن التحقيقات
وامتدت عمليات التحري إلى شركة الطيران الإسرائيلية «العال»، حيث حاول المحققون معرفة آليات نقل البريد الدبلوماسي وتسليم الحقائب إلى الطيارين وممثلي القنصليات.
وفي أغسطس 1950، أجرى المكتب فحصًا سريًا في مطار إيدلوايلد بنيويورك، الذي أصبح لاحقًا مطار جون إف كينيدي، لمتابعة إجراءات نقل البريد الدبلوماسي الإسرائيلي.
ولم يعثر المحققون على أي شيء مريب، لكنهم بحثوا إمكانية إنشاء مصدر للمعلومات داخل الشركة، كما ناقشوا سبل الوصول إلى تفاصيل البريد الدبلوماسي دون أن تثبت الوثائق نجاحهم في اختراق هذه القناة.
رجال أعمال وعلماء وصحفيون تحت رصد FBI
ولم تقتصر التحقيقات على الدبلوماسيين والمسؤولين، بل شملت رجال أعمال وعلماء وصحفيين، من بينهم والتر هاس، رئيس شركة «ليفي شتراوس» المنتجة للجينز، وابنه، حيث جمع المحققون معلومات عن عناوينهما ومناصبهما وسجلاتهما الائتمانية.
كما استفسر المكتب عن العالم الإسرائيلي ألكسندر كوهين، الذي أصبح لاحقًا رئيس معهد البحوث البيولوجية في نيس زيونا، وكان يعمل بجامعة هارفارد عام 1951، وركزت الأسئلة على وضعه لدى سلطات الهجرة ومصدر تمويله، بعدما أفاد بحصوله على منحة شهرية من معهد وايزمان.
وشملت التحريات أيضًا صحفيين وموظفين في منظمات صهيونية، وسط شبهات بشأن نقل وثائق من مكاتب جامعة الدول العربية في نيويورك إلى جهات مرتبطة بمنظمات يهودية.
خلاف أمريكي مبكر بشأن القدس
وكشفت إحدى المذكرات المؤرخة في 17 أبريل 1951 عن موقف مدير FBI ج. إدغار هوفر من مسألة نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، إذ حذر من أن هذه الخطوة ستعني عمليًا اعتراف واشنطن بالمدينة باعتبارها جزءًا من إسرائيل.
ولم تنقل الولايات المتحدة سفارتها إلى القدس إلا عام 2018، خلال الولاية الرئاسية الأولى لدونالد ترامب.
كما أظهرت الملفات وجود خلافات داخل المؤسسات الأمريكية بشأن حدود صلاحيات مكتب التحقيقات الفيدرالي ووسائل المراقبة، إلى جانب تحذيرات من أن استهداف المنظمات الصهيونية لمجرد ارتباطها بإسرائيل قد يعرض المكتب لاتهامات بملاحقة منظمات سياسية ودينية مشروعة.
وفي مذكرة بتاريخ 20 أغسطس 1951، انتقد هوفر بعض التقارير الواردة من مكتب نيويورك، معتبرًا أنها تحتوي على قدر كبير من المعلومات غير ذات الصلة، فيما اكتفى FBI بالقول إنه لا تعليق لديه ردًا على استفسارات «واي نت» بشأن التحقيقات.
