تواجه المبادرة الألمانية الفرنسية لتشكيل قوة أوروبية في جنوب لبنان خلفًا لقوات الطوارئ الدولية “اليونيفيل” العديد من التساؤلات حول شرعيتها الدولية، وآليات تمويلها، وقدرتها على فرض الاستقرار في واحدة من أكثر المناطق توترًا في المنطقة.
وجاء طرح تشكيل القوة الأوروبية عقب اختتام لبنان وإسرائيل الجولة السادسة من المفاوضات على مستوى السفراء في 8 يوليو الجاري، حيث اقترح وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول إنشاء قوة بتفويض من الاتحاد الأوروبي، بهدف تهيئة الظروف لانسحاب الجيش الإسرائيلي من الجنوب ومنع عودة حزب الله إلى المنطقة.
ورغم أن المبادرة تبدو كحل محتمل لمعالجة الفراغ الأمني المتوقع بعد انتهاء مهمة قوات اليونيفيل في 31 ديسمبر المقبل، فإن خبراء عسكريين وأكاديميين يرون أنها تواجه تحديات قانونية وسياسية، أبرزها غياب قرار من مجلس الأمن يمنحها غطاءً دوليًا مماثلًا لذلك الذي تستند إليه اليونيفيل منذ عقود.
وقال خبراء لـ”الجزيرة نت” إن نجاح أي قوة أوروبية محتملة يتطلب توافقًا واسعًا بين الأطراف المعنية، بداية من الحكومة اللبنانية وإسرائيل، مرورًا بالاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وصولًا إلى القوى المؤثرة داخل لبنان.
أزمة الشرعية الدولية
وأكد العميد اللبناني حسن جوني أن أي قوة أجنبية جديدة في جنوب لبنان لا يمكن أن تعتمد فقط على رغبة ألمانيا وفرنسا في إرسال قوات، مشددًا على ضرورة وجود تفويض أممي يحدد مهامها وصلاحياتها.
وأوضح أن التساؤل الأساسي يتمثل في مدى حصول الاتحاد الأوروبي على تفويض من الأمم المتحدة لتشكيل وإدارة القوة الجديدة، وهو أمر لم يتم حسمه حتى الآن.
من جانبه، أشار العميد منير شحادة، منسق الحكومة اللبنانية السابق لدى اليونيفيل، إلى أن الفرق الأساسي بين القوتين يكمن في أن اليونيفيل تستند إلى قرار صادر عن مجلس الأمن يمنحها شرعية دولية، بينما قد تعتمد القوة الأوروبية المقترحة على قرار أوروبي فقط، وهو ما يجعلها أقل قوة من الناحية القانونية والسياسية.
وأوضح أن القوة الجديدة قد تحصل على صلاحيات أوسع تشمل دعم الجيش اللبناني في التدريب، والدعم اللوجستي، وتأمين الحدود والسواحل والموانئ.
فرنسا تقود وألمانيا تدعم
ويرى أستاذ العلاقات الدولية الفرنسي بيير لوي ريمون أن المبادرة لا تزال في مرحلة “التوجه السياسي”، إذ لا يوجد حتى الآن قرار أوروبي رسمي أو خطة عسكرية واضحة أو آلية تنفيذ معتمدة.
وأشار إلى أن فرنسا تبدو الأقرب لقيادة المبادرة، لكن نجاحها يتطلب تعاونًا أوروبيًا واسعًا، خاصة مع الدور الألماني المؤثر وعلاقات برلين الخاصة مع إسرائيل.
كما يرتبط المشروع بآليات التنسيق القائمة جنوب لبنان، ومنها لجنة الميكانيزم التي تضم ممثلين عن لبنان وإسرائيل واليونيفيل برعاية أمريكية فرنسية، لمتابعة تنفيذ التفاهمات الأمنية.
التمويل والتحديات العسكرية
وتعد مسألة التمويل من أبرز العقبات أمام إنشاء القوة الأوروبية، حيث لم يتم الإعلان عن التزامات مالية واضحة حتى الآن، وسط حديث عن إمكانية الاعتماد على برامج دفاعية أوروبية ومساهمات من الدول المشاركة، وعلى رأسها فرنسا وألمانيا وربما إيطاليا وإسبانيا.
كما تواجه أوروبا تحديات تتعلق بقدرتها على إنشاء منظومة دفاعية مستقلة، وهو ما قد يؤثر على أي مشروع عسكري جديد خارج حدودها.
6 شروط لنجاح القوة الأوروبية
حدد العميد منير شحادة ستة شروط رئيسية لنجاح المبادرة، هي:
- موافقة الحكومة اللبنانية على تشكيل القوة ومهامها.
- قبول إسرائيل بوجودها ونطاق عملها.
- تحقيق إجماع داخل الاتحاد الأوروبي.
- قبول القوى اللبنانية الفاعلة، وعلى رأسها حزب الله.
- استمرار الهدوء الإقليمي وعدم اندلاع حرب جديدة.
- تحديد صلاحيات القوة وما إذا كان يسمح لها باستخدام القوة.
وأكد أن غياب أي عنصر من هذه العناصر قد يؤدي إلى تكرار تجربة اليونيفيل، التي يرى بعض الخبراء أنها واجهت قيودًا في تنفيذ مهامها.
مزايا محتملة مقارنة باليونيفيل
ورغم العقبات، يرى محللون أن القوة الأوروبية قد تمتلك بعض المزايا، منها سرعة اتخاذ القرار، ومرونة أكبر في التعامل مع التطورات الميدانية، إضافة إلى إمكانية تقديم دعم عسكري وتقني متطور للجيش اللبناني.
كما قد ترتبط القوة الجديدة بحزم مساعدات اقتصادية أوروبية للبنان، وهو ما يمنحها أدوات ضغط وتأثير إضافية.
وفي النهاية، تبقى المبادرة الألمانية الفرنسية مجرد مشروع سياسي في مراحله الأولى، إذ يتوقف مستقبلها على تحقيق توافق معقد بين بيروت وتل أبيب وبروكسل وواشنطن والقوى اللبنانية، إلى جانب استمرار الهدوء الأمني في المنطقة.















